تناولت صحيفة معاريف الإسرائيلية، في تقرير نُشر اليوم الأحد، زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى قبرص اليونانية في كانون الثاني 2026، بالتزامن مع اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقّع بين الجانبين قبل أسابيع. واعتبر التقرير أن الزيارة لا تُقرأ كتحرّك دبلوماسي اعتيادي، بل كمؤشر إلى تحوّل تدريجي في البوصلة اللبنانية نحو الغرب، بما ينعكس على توازنات شرق المتوسط.
وبحسب التقرير، قُدّمت الزيارة رسميًا في إطار تعزيز العلاقات الثنائية، وترافقت مع تسلّم قبرص اليونانية الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي، في خطوة وصفتها الصحيفة بأنها تحمل رمزية سياسية: بيروت تطرق باب أوروبا مجددًا وتبحث عن مظلة دعم مالي وسياسي في مرحلة داخلية شديدة الحساسية.
وأشار التقرير إلى أن الاتفاق البحري يحدد الحدود ويوضح الإطار القانوني الذي يتيح للطرفين المضي في عمليات التنقيب عن الغاز والنفط. وفي لبنان، يرى مؤيدو الاتفاق أنه خطوة ضرورية لجذب الشركات الدولية وإحياء الأمل بمداخيل مستقبلية قد تساعد في الخروج من الأزمة المالية، في ظل تراجع الخدمات العامة وتفاقم أزمة الكهرباء وضعف قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.
لكن "معاريف" لفتت إلى أن الواجهة الاقتصادية قد تخفي إشكاليات أعمق، أبرزها أن الاتفاق أُقرّ بقرار حكومي في تشرين الأول 2025 من دون المرور بمسار تصديق برلماني كامل، ما أثار انتقادات داخلية تتصل بدستورية الخطوة واحتمال التفريط بحقوق سيادية قد تتضح أهميتها لاحقًا.
وتجاوز التقرير الاتفاق بحدّ ذاته، معتبرًا أنه يأتي ضمن مسار بدأ يتبلور بعد التغييرات السياسية في لبنان، ولا سيما منذ انتخاب رئيس جديد وتشكيل حكومة جديدة، حيث فُتحت سريعًا قنوات أكثر انتظامًا مع واشنطن وعواصم أوروبية. ووفق التقرير، لم يعد الدعم الغربي للبنان مفتوحًا بلا شروط، بل بات مرتبطًا بتوقعات واضحة تتصل بالإصلاحات والأمن واتجاه لبنان الإقليمي، فيما تتحول قبرص اليونانية إلى "بوابة" بيروت نحو أوروبا ونقطة ارتكاز في أي خطة لإعادة إدماج لبنان ضمن ترتيبات المتوسط.
في المقابل، تحدث التقرير عن قلق تركي من هذا التطور، ليس فقط بسبب مضمون الاتفاق، بل بسبب الإطار الذي يعزّزه، إذ تمّ الترسيم، وفق "معاريف"، من دون إشراك قبرص التركية، ما تعتبره أنقرة تكريسًا لواقع سياسي واقتصادي يهمّش مصالحها ومصالح الشطر الشمالي من الجزيرة.
وأضاف التقرير أن مشاريع الطاقة في شرق المتوسط باتت، خلال السنوات الأخيرة، أدوات ضغط جيوسياسي وليست مجرد مشاريع تعاون اقتصادي، وأن انضمام لبنان عمليًا إلى هذا المسار قد يضيّق هامش المناورة التركي ويعمّق الاستقطاب في المنطقة.
ومن أكثر النقاط حساسية، بحسب "معاريف"، الربط بين اتفاق قبرص ومسار آخر قالت الصحيفة إنه بدأ يتشكل بهدوء، مشيرة إلى لقاءات مدنية تقنية عُقدت في الناقورة في كانون الأول 2025 بين ممثلين لبنانيين وإسرائيليين بوساطة أميركية. ووفق التقرير، قُدّمت هذه اللقاءات على أنها محدودة الإطار ولا تحمل طابعًا سياسيًا مباشرًا، إلا أن تراكمها قد يفتح بابًا أمام اندماج تدريجي للبنان في منظومة إقليمية يكون مركزها إسرائيل، من دون إعلان رسمي عن أي تطبيع.
كما توقّف التقرير عند موقف حزب الله، معتبرًا أنه لم يُظهر اعتراضًا علنيًا على الاتفاق مع قبرص ولم يسعَ إلى تعطيله، لكنه وصف ذلك بـ"الصمت المحسوب" الذي لا يعني بالضرورة الموافقة. وبحسب التقرير، يتجنب الحزب مواجهة مباشرة كي لا يُتهم بعرقلة أي فرصة إنقاذ اقتصادي، خصوصًا مع تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية حول ملف سلاحه ودوره في المرحلة المقبلة، فيما يبقى مستوى الشك مرتفعًا حيال أي مسار قد يقترب، ولو بصورة غير مباشرة، من مصالح إسرائيل في شرق المتوسط.
وختمت "معاريف" بالإشارة إلى أن لبنان يقف أمام معادلة دقيقة: البحث عن متنفس اقتصادي عبر البحر من دون الوقوع في فخ الاصطفافات التي قد تحوّل اتفاق الطاقة إلى مدخل لصراع سياسي وأمني مع أطراف إقليمية نافذة. وبينما يُقدَّم الاتفاق مع قبرص اليونانية كمشروع إنقاذ اقتصادي، ترى الصحيفة أن خلفه حسابات أوسع تتصل بالنفوذ والمحاور وتوازنات شرق المتوسط، حيث لا شيء تقني بالكامل، ولا خطوة تُقاس بالورق وحده.