د. جوسلين البستاني

"الحشد" الأميركي ضدّ إيران... ردع صارم بلا عدّ تنازلي

6 دقائق للقراءة
لوحة إعلانية في طهران تحمل رسالة تهديدية للقوات الأميركية (رويترز)

خلال الأسابيع الماضية، أثارت التقارير عن تزايد الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط تكهّنات حول قرب شن ضربة أميركية واسعة النطاق، ولا سيما ضدّ إيران أو حلفائها الإقليميين. وقد أدّى حشد المجموعة الضاربة لحاملة الطائرات الأميركية "أبراهام لينكولن"، ورفع مستويات التأهّب في مختلف أنحاء المنطقة، إلى تعزيز رواية مألوفة مفادها أن واشنطن تتجه، بلا هوادة، نحو الحرب.

ومع ذلك، تكشف المؤشرات العسكرية الفعلية عن واقع أكثر تعقيدًا وحذرًا. فما نشهده ليس مسيرة مؤكّدة نحو التنفيذ، بل وضع ردعي صارم، أي إشارات استراتيجية تهدف إلى تعظيم الضغط، والحفاظ على الخيارات العسكرية، وتشكيل سلوك الخصم دون تجاوز عتبة الإجراءات التي لا رجعة فيها. وبعبارة أخرى، يمكن توصيف الحشد العسكري الأميركي في المنطقة على أنه ردع متصاعد على نحو خطير، مع بقاء خيار الضربة السريعة قائمًا، وليس مرحلة العدّ التنازلي المؤكّد للحرب. ويُعدّ التمييز بين الردع وما قبل التنفيذ، أمرًا ضروريًا لتقييم الوضع، إذ يمثل كل منهما مرحلة مختلفة نوعيًا من التصعيد، وليس مُجرّد نقطتين على الطيف نفسه.

بالنسبة لمرحلة الردع، فهي تتسم بدرجة عالية من الغموض، إذ تكون القوات موجودة لكنها غير متزامنة بالكامل، وتظل القنوات الدبلوماسية مفتوحة، مصحوبة بلغة سياسية حذرة، بينما تحافظ أنماط الانتشار على هامش من المرونة. والهدف هنا ليس الحرب الفورية، بل الإكراه: إقناع الخصم بأن تكاليف التصعيد تفوق فوائده.

على النقيض من ذلك، فإن مرحلة ما قبل الضربة هي مرحلة عملياتية بامتياز. ففيها تُدمَج القوات بالكامل ضمن هندسة الضربة، وتنتقل المنظومة اللوجستية إلى حالة الاستعداد للحرب، ويُرفَع الغطاء الدبلوماسي، وتتحوّل القيادة السياسية من لغة مشروطة إلى لغة قرارية. وعند هذه النقطة، يصبح الزخم غير قابل للتراجع إلى حدّ كبير. لذلك، فإن السؤال الجوهري ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة تُعزز وجودها العسكري، فمن الواضح أنها تفعل ذلك، بل ما إذا كان هذا الوجود قد تجاوز مرحلة الإشارة إلى مرحلة التنفيذ؟

للإجابة على هذا السؤال، يجب التوقف عند المؤشرات العملياتية التي يعتمد عليها التحليل العسكري، وهي لا تقلّ عن ثمانية ذات صلة مباشرة بالسياق الحالي:

أولًا، هندسة مجموعة الضربات الجوية. إذ لا يكفي أن تكون حاملات الطائرات الأميركية موجودة فحسب، بل يجب أن تكون متمركزة في مناطق تغطية متداخلة وضمن نطاق القتال. في الوقت الراهن، وعلى الرغم من انتشار حاملة طائرات في المنطقة، فإن تموضعها لا يزال يعكس هندسة ردعية أكثر مما يعكس تشكيل ضربات جوية متكاملًا ومترابطًا على نحو وثيق.

ثانيًا، القواعد الأمامية للقاذفات الاستراتيجية. عادةً ما تتضمّن العمليات الوشيكة تركيزًا واضحًا لقاذفات من طراز "بي 52" أو "بي 1" أو "بي 2" في قواعد مثل "دييغو غارسيا" أو "العُديد" في قطر، مصحوبًا بتكثيف تدريبات التزوّد بالوقود جوًّا وتسريع وتيرة تحميل الذخائر. حتى الآن، لا يزال هذا الانتشار دوريًا ومحدودًا، دون مستوى التركيز الكثيف الذي يُميّز المرحلة التي تسبق الحرب.

ثالثًا، المؤشر اللوجستي، وهو في أكثر الأحيان المؤشر الأكثر موثوقية. فعلى الرغم من زيادة التدفقات اللوجستية، فإنها لم تصل بعد إلى الحجم الذي ارتبط تاريخيًا بحرب وشيكة، كما في حالة العراق عام 2003.

رابعًا، القيادة والسيطرة. حتى الآن، لا تزال لغة القيادة المركزية الأميركية تعكس إطار التخطيط للطوارئ بدلًا من منطق التنفيذ.

خامسًا، الإجلاء الدبلوماسي. غالبًا ما تسبق الحروب الفعليّة عمليات سحب الدبلوماسيين، وإجلاء العائلات، وإصدار تحذيرات السفر، وتغيير مسارات الرحلات الجوية. لم يحدث أيٌّ من ذلك على نطاق واسع حتى اللحظة، ما يُشير إلى أن واشنطن لا تستعدّ بعد لاندلاع صراع إقليمي فوري.

سادسًا، اللغة السياسية. إن الفرق بين عبارة "كافة الخيارات مطروحة على الطاولة" وعبارة "الرئيس قد قرّر" ليس فرقًا لغويًا، بل هو عملي. وحتى الآن، يواصل المسؤولون الأميركيون استخدام لغة الردع، لا لغة القرار.

سابعًا، الأسواق المالية. تميل أسعار الطاقة، وتأمين مخاطر الحرب، وأسهم الدفاع إلى الارتفاع الحاد قبل اندلاع الحروب الفعليّة. أما اليوم، فبينما تظلّ الأسواق مُتقلّبة، إلا أنها لا تسعّر اندلاع حرب إقليمية وشيكة.

ثامنًا، وضع القوات الإسرائيلية. عادةً ما تكون إسرائيل أول طرف يتحرّك للاستعداد الكامل للحرب. وعلى الرغم من أن القوات الإسرائيلية في حالة تأهّب قصوى، لم تتمّ تعبئة الاحتياطي على نطاق واسع، ولم يُفعّل الدفاع المدني بالكامل.

وبشكل عام، تتفق هذه المؤشرات على استنتاج واضح: الولايات المتحدة تصعّد موقفها، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة التنفيذ.

استنادًا إلى ذلك، يمكن اعتبار الوضع الحالي بمثابة مرحلة من الردع العسكري: استعداد عالٍ وإشارات قوية، تعمل خلاله واشنطن على زيادة قدرتها على التحرّك السريع بشكل مُتعمّد، مع الحفاظ على الغموض الاستراتيجي. وهذا يمكّن الولايات المتحدة من ممارسة أقصى قدر من الضغط على إيران وشبكتها الإقليمية، وطمأنة حلفائها، والإبقاء على خيار استخدام القوة دون الالتزام به.

ويُبرز ذلك سبب إساءة تفسير مثل هذه اللحظات في الخطاب العام. فقد يبدو التسلّح وكأنه عدّ تنازلي للحرب، بينما هو في الواقع أداة للمساومة. فالولايات المتحدة لا تستعدّ للحرب كأمر مؤكّد، بل كاحتمال حتى هذه اللحظة. أما الخطر الاستراتيجي الحقيقي، فلا يكمُن في ضربة أميركية مُحدّدة، بل في البيئة التي يخلقها الردع نفسه.

فالردع العسكري المُكثف بطبيعته غير مُستقرّ. فعندما تُنشر القوات على الخطوط الأمامية، وترتفع مستويات التأهّب، وتُختبر الخطوط الحمراء باستمرار، يُصبح النظام شديد الحساسية للصدمات. وحادث واحد فقط، مثل إسقاط طائرة من دون طيار أو سوء تفسير بيانات الرادار، قد يؤدي إلى انهيار الردع وتصعيد سريع.

المهم، أن مرحلة تصعيد الردع تجري في ظلّ ظروف من عدم الاستقرار الاستراتيجي. ففي هذه المرحلة، قد لا يحدث شيء لأشهر عدة، أو قد تتغيّر الأمور بالكامل خلال ثلاثة أيام. وهنا تكمن مفارقة الوضع الحالي: غياب العدّ التنازلي لا يعني غياب الخطر، بل على العكس، غالبًا ما تكون مراحل الردع الأكثر تقلبًا، لأنها تقع تحديدًا في المنطقة الرمادية بين الدبلوماسية والحرب.