عيسى يحيى

بعلبك الهرمل ساحة جسّ نبض: زيارة الحريري تحت مجهر الاستحقاق النيابي

4 دقائق للقراءة

منذ تعليق تيار "المستقبل" عمله السياسي، يعيش المشهد السني في لبنان حالة فراغ غير معلنة، فراغ لا يُقاس بغياب حزب عن الاستحقاقات فقط، بل بغياب مركز ثقل كان يشكّل لعقود أحد أعمدة التوازن السياسي الوطني. هذا التعليق، الذي قُدِّم في حينه على أنه قرار اضطراريّ لحماية الاستقرار وتجنب صدامات كبرى، تحوّل مع الوقت إلى عامل إرباك داخل البيئة السياسيّة للتيار نفسه، وأعاد طرح أسئلة جوهريّة حول مستقبل التمثيل، لا حول شكله فحسب بل حول مضمونه ودوره.

على امتداد السنوات الماضية، حافظ الرئيس سعد الحريري على حضور رمزيّ مدروس، يطلّ في المحطات المفصلية، ويُبقي قنوات التواصل مفتوحة من دون أن يحسم خياره بالعودة أو القطيعة. هذا الحضور المحسوب، وإن نجح في ضبط الإيقاع داخل القاعدة الشعبية، إلّا أنه لم ينجح في تبديد الغموض السياسي، بل ساهم في ترسيخ حالة انتظار مفتوحة، جعلت من كل استحقاق محطة اختبار لتيار معلّق بين القرار واللاقرار.

اليوم، ومع اقتراب الانتخابات النيابية، يعود هذا الغموض ليضغط بقوّة على المشهد السياسيّ، لا سيّما داخل البيئة السنية التي تجد نفسها أمام استحقاق مصيريّ من دون مرجعيّة واضحة. فالانتخابات لم تعد مجرّد تنافس على مقاعد، بل باتت اختبارًا لمدى قدرة هذا المكوّن على إعادة إنتاج تمثيله خارج منطق التشتت والارتهان، في ظلّ موازين قوى تفرض نفسها بقوة الأمر الواقع.

وفي هذا السياق، يبرز دور الأمين العام لتيار "المستقبل" أحمد الحريري، الذي يتحرّك على الأرض وكأن التيار في حالة استنفار سياسي غير معلن. ضخ الأخبار عن مشاركة مستقبلية في الانتخابات، الزيارات المناطقية، ورفع منسوب التواصل التنظيمي، كلّها مؤشرات تدل على أن التيار يُحضر لشيء ما، حتى وإن بقي القرار النهائي غير معلن من رئيسه.

المفارقة التي يتمّ تداولها في الكواليس، أن تيار "المستقبل" قد يخوض الانتخابات بغض النظر عن موقف الرئيس سعد الحريري، ولكن بأسلوب مختلف: مشاركة غير فاقعة، أسماء غير محسوبة تنظيميًا بشكل مباشر، وواجهات انتخابية تُدار من الخلف. هذا السلوك يوحي بمحاولة اللعب على حافة القرار الكبير ومن كان خلفه، أو التحايل عليه، من دون كسره علنًا.

وعليه، تأتي زيارة أحمد الحريري المرتقبة إلى البقاع الشمالي يوم السبت المقبل، حيث يزور عرسال والفاكهة وبعلبك، وهي ليست زيارة عاطفية لإحياء الذكرى فقط، بل تحمل طابعًا انتخابيًا استطلاعيًا واضحًا. الهدف الأساسي هو قياس المزاج السني، وحجم القدرة على تحريك الشارع، وبناء تصوّر أوّلي للاستحقاق النيابي. في حين تبدو الصورة في البقاع الغربي وزحلة أكثر وضوحًا مع تثبيت أسماء مرشحين وتحالفات قائمة، فيما يبقى المشهد في دائرة بعلبك – الهرمل الأكثر التباسًا وخطورة.

هنا، تدخل اللعبة السياسية الأكثر حساسية، فالمعلومات الأوّلية تشير إلى أن التيار سيخوض الانتخابات في الدائرة ولكن بطريقة لا تحرج الرئيس سعد الحريري ولا من اتخذ قرار توقيف التيار عن العمل السياسي، وذلك عبر أسماء غير حزبية وصوغ تحالفات لا تثمر فوزًا بقدر ما تنتج مزيدًا من التشتت والضياع وخسارة المقاعد السنية.

إضافة إلى ذلك، هناك محاولات لخلق لائحة ثالثة في بعلبك الهرمل بمباركة "حزب اللّه"، لأن اللائحتين الأقوى هما لائحتا "الثنائي" والقوات، وكون اللائحة الثالثة تأخذ أصواتًا من أمام لائحة القوات، لكنها عمليًا تصبّ في خانة تشتيت الصوت السني ومنع أي خرق فعليّ في مواجهة "حزب اللّه". والأخطر من ذلك، أن هذه اللائحة شريكها الفعلي تيار "المستقبل" عبر بعض الأشخاص المحزبين، ممّن يسوّقون أنفسهم على أنهم قنوات تواصل بين "الحزب" وتيار "المستقبل" في المنطقة، ما يضع التيار أو من يتحدث باسمه في موقع الشريك غير المباشر في إضعاف التمثيل السني.

هذه المقاربة، إن صحّت واستمرّت، لا يمكن وصفها إلّا بأنها لعبة غير أخلاقية سياسيًا، تُعيد إنتاج تجربة 2022 حين أدت مقاطعة تيار "المستقبل" للانتخابات حينها، وما رافقها من سلوكيات ملتبسة، إلى تسليم مقاعد السنة النيابية على طبق من ذهب إلى "الحزب" ودفع السنة في بعلبك الهرمل إلى هامش المعادلة.

اليوم، وبين خطاب الرابع عشر من شباط، والتحرّكات الميدانية، والتسريبات المقصودة، يبدو تيار "المستقبل" أمام مفترق طرق حقيقي: إما عودة واضحة، مسؤولة، تعيد الاعتبار للتمثيل السني وللمعنى السياسي للتيار، وإما الاستمرار في سياسة الرماد، حيث المشاركة بلا إعلان، والمعارضة بلا موقف. والنتيجة مزيد من التشتت، ومزيد من الارتهان لقوى الأمر الواقع.