غياب فينوس خوري - غاتا: بالكلمة بلسمت قسوة الحياة

3 دقائق للقراءة

غيّب الموت مساء الأربعاء في باريس، الشاعرة والروائية اللبنانية - الفرنسية فينوس خوري - غاتا عن عمر ناهز 88 عامًا، بعد مسيرة حافلة في عالم الكلمة جعلت منها واحدة من أبرز الأصوات في الأدب الفرنكوفوني المعاصر، لكونها من جيل الأديبات والأدباء الذين جعلوا من الكتابة وسيلة للتأمل في المنفى والهوية والتواصل بين الثقافات، فاستحقت خلال مسيرتها العديد من الأوسمة والتكريمات لا سيّما من فرنسا.

وُلدت فينوس خوري - غاتا عام 1937 في مدينة بشرّي شمال لبنان، وهي الشقيقة الكبرى للكاتبة والصحافية مي منسّى (1939-2019). شكّل الجبل والقصص المحلية والذاكرة الطفولية أساس وعيها الشعري، فكان الشعر محور اهتماماتها منذ الصغر. درست الأدب في بيروت، وانتخبت عام 1959 "ملكة جمال بيروت".

هربًا من ظروف أسريّة قاسية، خاضت تجربة زواج في سنوات شبابها المبكّر، رُزقت منها بثلاثة أولاد قبل أن تنتهي بالطلاق. عام 1966 بدأت مسيرتها الشعرية بإصدار ديوانها الأول بالفرنسية "Les visages inachevés"، وتلاه "Terres stagnantes" عام 1967. أما روايتها الأولى "Les inadaptés" (1971) فمثلت انطلاقة مشروعها الروائي.

عام 1972، ومع تصاعد التوترات في لبنان، تزوّجت الأديبة مجدّدًا من الباحث الفرنسي جان غاتا واستقرت معه في باريس التي أصبحت موطنها الدائم ومركزًا لإبداعها الأدبي. هناك واصلت بناء مشروع أدبي متكامل جمع بين الشعر والرواية، تناولت فيه قضايا المنفى والذاكرة والحرب والهوية مع وضع المرأة في قلب كل سردها، بوصفها الشخصية المحورية. كذلك، حافظت على حضور روح الشرق في أعمالها، وركّزت على الازدواجية اللغوية والثقافية.

بعد وفاة زوجها إثر أزمة صحيّة، واصلت خوري - غاتا مسيرتها الأدبيّة بشكل مستقلّ، إلى جانب ابنتها ياسمين التي أصبحت بدورها كاتبة. وخلال إقامتها في فرنسا، طوّرت أسلوبًا فريدًا يجمع بين الفرنسيّة والعربيّة، حيث استخدمت الفرنسية كلغة أساسية مع الحفاظ على إيقاعات اللغة العربية وصورها، وأصدرت أكثر من ثلاثين مجموعة شعرية تُرجمت إلى حوالى 15 لغة.

تأثرت كتابتها بتجارب شخصيّة صعبة عاشتها بنفسها، أبرزها الحرب الأهلية اللبنانية وفقدان أحبائها، ما جعل الفقد والموت والذاكرة عناصر مركزية في نصوصها، لكنها في الوقت نفسه حافظت على الاحتفاء بالحياة وقدرتها على تحويل الألم إلى صور شعرية نابضة.

ومن يقرأ خوري - غاتا يدرك أن الموت شكّل محورًا أساسيًا في كتاباتها، تتعامل معه أحيانًا بجديّة تقشعر لها الأبدان، وأحيانًا بحس دعابي أسود. ويتجلّى هذا بوضوح في روايتها "Ce qui reste des hommes"، وقد تناولت الموت بمزيج من الطرافة والجدية، مبتكرة فكرة فريدة تمكّن الشخصيات من رؤية الموت من منظور عزرائيل، من أقرب نقطة ممكنة، وهي القبر، لتدعو القارئ إلى التفكير في الحياة والموت معًا.

تركت فينوس خوري - غاتا وراءها إرثًا شعريًا وروائيًا زاخرًا بأكثر من أربعين عملًا، ومن أبرز رواياتها: "Le fils empaillé" (1980)، و "Vacarme pour une lune morte" (1983)، و Mortemaison" (1986)"، و Bayarmine" (1988)"، و La maîtresse du notable" (1992)"، و "Sept pierres pour la femme adultère" (2007)، إضافة إلى روايتها الشهيرة La fiancée était à dos d'âne" (2013)" التي نالت جائزة "Renaudot Pocket Book Prize". أما في الشعر، فقد رسّخت مكانتها عبر أعمال مثل: "Les ombres et leurs cris"، و "?Où vont les arbres" التي نالت عنها "جائزة غونكور للشعر" عام 2011، وصولًا إلى دواوينها المتأخرة مثل "Demande à l'obscurité" و "Désarroi des Âmes Errantes".