لم تعد الانتخابات النيابية المقبلة استحقاقًا عاديًا في روزنامة الدولة اللبنانية، بل تحوّلت إلى معركة وجود سياسي بين شعب يطالب باستعادة صوته، ومنظومة تخشى هذا الصوت أكثر من أي وقت مضى.
فالانتخابات النيابية المقبلة في لبنان ستدخل مرحلة مفصلية، لا باعتبارها مجرد استحقاق دستوري فقط،
بل كونها اختباراً حاسماً لميزان القوى السياسي، ولمدى قدرة النظام القائم على تجديد شرعيته أو الهروب من محاسبته والسؤال هنا لم يعد فقط: هل ستُجرى الانتخابات في موعدها أم ستؤجَّل؟
بل أي انتخابات ستُجرى، ولصالح من، وتحت أي قانون، وبأي نتائج، وببراءة دستورية او كإختبار صريح؟
حتى هذه اللحظة، لا يزال الخطاب الرسمي يميل إلى التأكيد على إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري. إلا أن الوقائع السياسية تشير إلى أن خيار التأجيل لا يزال حاضراً بقوة ومن الممكن ان يكون لشهرين او لسنتين، ويُستخدم كورقة ضغط ومساومة في كواليس التسويات.
فأي تأجيل للانتخابات لن يكون إجراءً إداريا ولا نتيجة "ظروف قاهرة"، بل قرارا سياسيا مكشوفًا سببه الخشية من نتائج غير مضمونة. والمنظومة الحاكمة تدرك أن المزاج الشعبي لم يعد كما كان، وأن الغضب لم يعد محصوراً في الشارع المعارض، بل تمدد إلى داخل البيئات التقليدية نفسها في ظل مزاج شعبي ناقم، وانهيار اقتصادي غير مسبوق.
والتأجيل، هنا، ليس حماية للاستقرار، بل حماية للأكثرية المتآكلة والانتخابات وفق القانون الحالي نتائجها محسومة جزئياً، ففي حال جرت الانتخابات وفق القانون المعمول به حالياً، من دون تعديل جوهري، فإننا سنكون أمام مشهد غير متوازن. فالقانون الذي صُمّم أصلا لضبط التغيير، لم يعد قادراً على منع الخسائر وبصيغته الحالية لا يزال يخدم القوى التقليدية، خاصة تلك التي تمتلك ماكينات انتخابية منظمة وشبكات زبائنية راسخة، لكنه لم يعد يضمن الاحتفاظ بالأحجام نفسها، خصوصا في ظل تراجع الحماسة الشعبية، والانهيار المعيشي، وانكشاف الخطاب السياسي حتى داخل البيئات التي كانت تُعدّ مقفلة.
وبين الكتل الرابحة والخاسرة، تشير معظم التقديرات إلى ان الكتل النيابية المرتبطة مباشرة بالسلطة التنفيذية وبسنوات الانهيار، مرشّحة للتراجع ولو بنسب متفاوتة. وهنا لا نتحدث عن انهيار شامل، بل عن نزيف صامت في عدد النواب، وهو ما تعتبره هذه القوى خطرا استراتيجيا لا خسارة عابرة في المقابل قد تشهد بعض القوى المعارضة التقليدية أو المستقلة نسبيا تحسنا محدودا، لكن من دون اي اختراق دراماتيكي.
أما بما يُسمّى بـ"نواب التغيير"، فقد انتقلوا من موقع الأمل إلى خانة خيبة الأمل، وصورتهم اليوم مهزوزة. فشلهم في تقديم نموذج سياسي مختلف، وتشتتهم، وصراعاتهم الداخلية، أفقدتهم جزءًا كبيرا من الثقة الشعبية. وجعلت شريحة واسعة من الناس تعتبرهم معارضة بلا مشروع وعليه، من المرجح أن يتراجع عددهم، إلا إذا حصلت مفاجأة تنظيمية حقيقية ونجحت بعض المجموعات الجديدة في تقديم خطاب موحد وبرنامج مقنع، وهو أمر لم يتبلور بعد.
في مقدمة هذه القوى يأتي الثنائي الشيعي حزب الله وحركة أمل القوة التي تآكلت لا يمكن تجاهل التحول الكبير داخل بيئتها.
فبعيدا عن الخطاب التعبوي، تشير الوقائع إلى تراجع واضح في الحماسة الشعبية والواقع داخل البيئة الشيعية تغيّر. الاعتراض لم يعد همسا، بل بات سؤالا علنيا حول جدوى ربط لبنان بالمشروع الإيراني، وحول ثمن هذا الخيار على الاقتصاد، والعزلة، ومستقبل الأجيال وازدياد الاعتراض داخل البيئة نفسها، خصوصا بعد تحميل هذه القوى مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة عن الانهيار.
صحيح أن هذه القوى لا تزال تمتلك قدرة تنظيمية وانتخابية عالية، لكنها لم تعد في موقع "الاطمئنان"
لكن التآكل النفسي والسياسي بات واضحا، وأي خرق ولو محدود، وأي خسارة ولو جزئية، ستكون مؤلمة سياسيا، لأنها تُسقط صورة الاحتكار والتمثيل المطلق.
أما بعض القوى المسيحية التقليدية، فهي بدورها تواجه تراجعا في الخطاب التعبوي، وانقساما في القواعد، ونسبة الإستقالات كبيرة وقد تخطت المعقول وهذا ما يهدد بخسارة مقاعد هنا وهناك، خصوصا في الدوائر المختلطة.
وإذا ما تحدثنا عن قانون إقتراع المغتربين فالقانون قد أسقط عمدا وعن قصد، والسؤال لماذا لم يُقرّ قانون اقتراع المغتربين؟ والجواب بسيط وخطير في آن لأن صوت المغترب غير قابل للضبط.
والمغتربون هم القوة المقصاة وحرمانهم من حقهم الطبيعي في الاقتراع من أماكن إقامتهم يشكّل ضربة مباشرة للديمقراطية. وإجبارهم على القدوم إلى لبنان للاقتراع ليس تفصيلا إداريا، بل إقصاء مقنّعا وخوفا منهم وإن أي مشاركة فعلية وواسعة للمغتربين هي قادرة على إحداث فرق حقيقي.
فالمغتربون أقل خضوعا للزبائنية، وأكثر حساسية لمفهوم الدولة، وأكثر جرأة في المحاسبة والأرقام أثبتت أن اقتراع المغتربين أربك حسابات القوى التقليدية، وخصوصا في الدوائر الحساسة.
وهنا يبرز دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، هل خشي بري تمرير هذا القانون؟
المعطيات السياسية تقول نعم. ليس خوفا شخصيا، بل خوف المنظومة التي يمثلها من صندوق اقتراع لا يمكن التحكم به.
فإسقاط القانون لم يكن صدفة، بل قرارا سياسيا واعيا، لأن السماح للمغتربين بالاقتراع بحرية ومن أماكن إقامتهم يعني إدخال عنصر غير مضمون النتائج إلى المعادلة.
إجبار المغتربين على القدوم إلى لبنان للاقتراع هو إقصاء ناعم، لا يقل خطورة عن المنع المباشر.
أما عن الدور السعودي والأميركي الذي ساهم بشكل كبير ومباشر في تسريع عملية انتخاب رئيسا للجمهورية، فالسعودية تلعب دورا حذرا في الساحة السنية، يركّز على إعادة التوازن ومنع الانهيار الكامل، مع تركيز واضح على إعادة تنظيم الصف السني بعيدا عن الفوضى السياسية، ومن دون الانخراط المباشر في صناعة لوائح. في المقابل، تراقب الولايات المتحدة هذا الاستحقاق من زاوية أوسع، باعتباره مقدمة لمجلس نيابي سيكون شاهدا وصانعا للاستحقاق الرئاسي المقبل، وربما لإعادة رسم قواعد اللعبة السياسية في لبنان.
أما التحالفات فهي زواج مصلحة لا أكثر، وستكون التحالفات الانتخابية المقبلة هجينة، ظرفية، ومبنية على حسابات رقمية بحتة، لا على انسجام سياسي ولا حتى قناعات. وسنشهد تحالفات متناقضة في الخطاب، لكنها متفاهمة في المصالح، لأن الهدف الأساسي لمعظم القوى هو تقليص الخسائر لا تحقيق الانتصارات.
ولكن رغم كل هذا هل ستكون الانتخابات النيابية المقبلة بداية وعي… أم إعادة إنتاج؟
الانتخابات المقبلة تقف على مفترق طرق، إما أن تشكّل بداية وعي شعبي حقيقي، يعيد الاعتبار لفكرة الدولة، أو تكون مجرد محطة لإعادة إنتاج السلطة نفسها بأشكال معدّلة. أما بالنسبة لأكثرية القوى السياسية، فالتأجيل قد يبدو مريحا على المدى القصير، لكنه يحمل في طياته خطرا أكبر.
والهدف.. ضرب ما تبقى من شرعية النظام، وبمفهومهم أن الشارع يمكن تفريغه والخطاب يمكن احتواؤه اما الصندوق فهو الخطر الحقيقي.
لهذا، يخافون الانتخابات ولهذا يُلوّحون بالتأجيل وأي تأجيل لن يكون سوى رسالة واضحة، فالمنظومة لم تعد تثق بنفسها، ولا بشعبها، ولا بالديمقراطية التي تتغنى بها.
ولبنان اليوم أمام لحظة فاصلة إما انتخابات تكشف الحقيقة، او تأجيل يكرّس الانهيار كخيار سياسي.