ناديا غصوب

كيف تؤثر إسرائيل والخليج على خيارات ترامب حيال إيران؟

4 دقائق للقراءة
الجميع بانتظار قرار ترامب (رويترز)

لا يمكن قراءة خيارات الرئيس دونالد ترامب تجاه إيران بمعزل عن عاملين حاسمين: إسرائيل أولًا، والخليج ثانيًا. فالرئيس الأميركي، العائد إلى المشهد وهو يحمل إرث المواجهة المفتوحة مع طهران، يعرف أن أي قرار يتخذه لن يُقاس فقط في واشنطن، بل في تل أبيب والرياض وأبوظبي، حيث تتقاطع المخاوف الأمنية مع حسابات الاستقرار الإقليمي.

إسرائيل ترى في اللحظة الحالية نافذة نادرة. برنامج إيران النووي ما زال بلا حلّ جذري، والضغوط الدولية لم تعد كابحًا فعليًا. بالنسبة إلى تل أبيب، ترامب هو الرئيس الأميركي الأكثر استعدادًا لتفهّم منطق "الضربة الوقائية"، أو على الأقل توفير الغطاء السياسي والعسكري لها. ومن هنا، فإن خيار العمل العسكري المحدود ضد إيران لا يُقرأ فقط كقرار أميركي، بل كجزء من تنسيق - أو تغاضٍ - يسمح لإسرائيل بالتحرك من دون الاصطدام المباشر بالفيتو الأميركي.

لكن هذا الخيار، على جاذبيته الإسرائيلية، يضع ترامب أمام معضلة خليجية. دول الخليج، رغم عدائها الواضح للسياسات الإيرانية، لا ترغب في حرب مفتوحة تُهدد الممرات البحرية، وأسواق الطاقة، واستقرارها الداخلي. الخليج يريد إيران مُقيدة لا مُفجَّرة. لذلك، فإن أي ضربة عسكرية، حتى لو كانت محدودة، تُقابل في العواصم الخليجية بسؤال واحد: كيف سيكون الرد الإيراني، وأين سيقع؟

من هنا، يعود خيار الضغط الأقصى ليبدو، ظاهريًا، حلًا وسطًا. عقوبات أقسى تُرضي إسرائيل لأنها تُضعف إيران تدريجيًا، وتطمئن الخليج لأنها لا تشعل مواجهة مباشرة. غير أن التجربة السابقة أثبتت أن العقوبات، وحدها، لا توقف برنامجًا نوويًا ولا تُغيّر سلوكًا إقليميًا، بل تدفع طهران إلى تعميق اعتمادها على أدواتها غير التقليدية، من الميليشيات إلى الهجمات السيبرانية.

الخيار الأخطر، والأكثر تعقيدًا، يتمثل في العمل غير المباشر: عمليات سرية، هجمات سيبرانية، واستهدافات محسوبة تُنسب إلى أطراف ثالثة. هذا المسار يُعدّ مفضلًا لدى إسرائيل، لأنه يضرب إيران تحت عتبة الحرب، ويمنح واشنطن هامش إنكار معقول. لكنه في الوقت نفسه يُبقي الخليج في حالة استنفار دائم، لأن الرد الإيراني غالبًا ما يأتي في ساحات رخوة: العراق، اليمن، أو مياه الخليج نفسها.

أما خيار التفاوض، فيبقى الأضعف سياسيًا بالنسبة إلى ترامب، لكنه الأكثر راحة لحلفائه الخليجيين. دول الخليج لا تمانع اتفاقًا يُقيّد إيران فعليًا، شرط ألا يكون نوويًا فقط، بل يشمل الصواريخ والنفوذ الإقليمي. المشكلة أن إسرائيل ترى في أي مسار تفاوضي خطر إضاعة الوقت، فيما ترى إيران فيه فخًا مؤجلًا لا ضمانات له.

في النهاية، يتحرك ترامب داخل مثلث ضاغط: إسرائيل تدفع نحو الحسم، الخليج يطالب بالضبط، وإيران تلوّح بالرد. أي خطوة غير محسوبة قد توحّد هذا المثلث ضده بدل أن تفرّقه لمصلحته. لذلك، فإن ما سيختاره ترامب لن يكون بالضرورة ما يريده، بل ما يستطيع احتواء نتائجه.

أما اقتصاديًا، فيشكّل أي تصعيد مع إيران عامل ضغط مباشر على الأسواق العالمية، وهو ما لا يمكن لترامب تجاهله، خصوصًا في سياق داخلي حساس. أسعار النفط تبقى المؤشر الأسرع تأثرًا، وأي اضطراب في الخليج أو تهديد لمضيق هرمز كفيل بدفع الأسعار إلى مستويات تُربك الاقتصاد الأميركي قبل غيره، عبر رفع كلفة الطاقة والتضخم، وهو ملف بالغ الحساسية انتخابيًا. دول الخليج، بوصفها لاعبة رئيسية في سوق الطاقة، تخشى أن تتحول إلى ساحة صراع تُقوّض خططها الاقتصادية طويلة الأمد، من تنويع مصادر الدخل إلى جذب الاستثمارات. أما إيران، فهي ترى في ورقة الطاقة والممرات البحرية أداة ردع اقتصادية بقدر ما هي عسكرية، ما يجعل الحسابات الاقتصادية عنصر كبح إضافي لأي قرار بالتصعيد، ويفسّر لماذا يبقى سقف المواجهة، حتى الآن، أقل من نقطة الانفجار الشامل.

الملف الإيراني، في هذه المرحلة، لم يعد سؤال قوة، بل سؤال إدارة مخاطر. وهنا، تحديدًا، سيُختبر ترامب: هل يلعب دور الرئيس الذي يُرضي حلفاءه الأقربين، أم ذاك الذي يمنع المنطقة من الانزلاق إلى مواجهة لا يريدها أحد، لكنها قد تفرض نفسها على الجميع؟