عيسى مخلوف

حين يصبح الكذب هو الحقيقة الوحيدة!

4 دقائق للقراءة
غشّاش ورق اللعب" للفنان الفرنسي جورج دولاتور | 1635، متحف اللوفر

في العشرين من شهر تشرين الثاني 2018، أقرّ البرلمان الفرنسي قانوناً لمكافحة التلاعب بالمعلومات "الهدف منه حماية أفضل للديموقراطيّة من مختلف أشكال النشر المتعمّد للأخبار الكاذبة". ثمّة أصوات فرنسيّة عارضت هذا القرار لاعتبارها أنّ الدولة هي أيضاً تستنجد بالمعلومات الخاطئة مرّات كثيرة. وهذا ما يكشف عن سجال مفتوح في الدول الديموقراطيّة حول الأخبار الكاذبة وطُرق مكافحتها.

ظاهرة نشر المعلومات المزيّفة، في جميع المجالات والحقول، موجودة منذ القدم، لكنها لم تبلغ الزخم الذي تتمتّع به الآن إلاّ مع ظهور شبكات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. منذ قرابة الألفين وأربعمئة سنة، قال أفلاطون إن من يلهج بالحقيقة هو أكثر شخص مكروه. وكان أحد سفراء مدينة البندقيّة في الماضي قد اختصر مهمّة السفراء بقوله إنّ "السفير هو الشخص الذي ترسله بلاده ليكذب باسمها في بلاد أخرى".

وإذا كنّا نتوقّف، هنا، بشكل خاصّ، عند الكذب السياسي، فذلك لأنه المستنقع الذي تتجمّع فيه أكبر كمّية من الكذب على الإطلاق. الجميع يعرف ما قاله مهندس الدعاية النازية جوزيف غوبلز: "أكذب، ثمّ أكذب، فلا بدّ أن يبقى من الكذب شيء"، و"كلّما كبرت الكذبة ازدادت إمكانيّة تصديقها". الأكثر خطورة في المجال السياسي هو ما ينتج عن تلك المعلومات الملغومة من أضرار وجرائم وأهوال. في هذا السياق، نعود إلى قضيّة درايفوس، نهاية القرن التاسع عشر، وغيرها من القضايا. في العام 2002، قدّم الرئيس بوش تقريراً ملفّقاً أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة ليبرّر غزو العراق. وفي الوقت الحاضر، غالباً ما يُعتبَر الرئيس ترامب أوّل رئيس لبلد صناعي كبير ينشر على نطاق واسع معلومات كاذبة على شبكات التواصل الاجتماعي، وقد تجاوزت هذه المعلومات حتى العام 2018 الأربعة آلاف، بحسب صحيفة "واشنطن بوست".

كان الكاتب سعيد تقي الدين يقول: "إذا أردت أن تقتل شخصاً ما، لا تطلق عليه رصاصة بل أطلق عليه إشاعة". في العالم العربي، تكون الإشاعة أحياناً مدخلاً لتصفية بعض المعارضين السياسيين، أو للقضاء على تحرّك أو انتفاضة، كما حصل في لبنان، إثر انتفاضة السابع عشر من تشرين التي تصدّرها الشبّان والشابات ممّن نادوا بالإصلاح والتغيير ورفعوا الصوت في وجه منظومة المال والسلطة والسلاح، فجاء الردّ من رأس هذه المنظومة حاسماً إذ اتهم الثورة بالعمل لصالح سفارات وأجندات خارجيّة.

التاريخ الذي يكتبه المنتصرون هو سلسلة من الأكاذيب. الكذب صناعة قائمة بذاتها، ويعتبرها البعض فنّاً وحاجة. من المفكّر الإيطالي ماكيافيلي و"الغاية التي تبرّر الوسائل"، والفصل بين السياسة والأخلاق، إلى الكاتب الإيرلندي جوناتان سويفت الذي خصّص كتاباً بعنوان "فنّ الكذب السياسي" (1733) انطلاقاً من السؤال التالي: "هل نخدع الناس من أجل مصلحتنا الخاصّة؟"، وصولاً إلى كتب كثيرة تناولت هذا الموضوع من جوانبه المختلفة. أمّا في الأنظمة الشمولية فالكذب هو الحقيقة الوحيدة، وهو أحد أركانها الأساسيّة. والديكتاتور، أصلاً، كائن مجبول من طينة الكذب نفسها لأنه لا يعيش في الواقع بل في واقعه الخاصّ وفي ما يفترض أنه الواقع.

الأخبار الخاطئة تتكرّر في وسائل التواصل الاجتماعي وفي الإعلام بصورة عامّة. ولقد حلّ قسم منها، من فرط تكراره، محلّ الحقيقة. ألوف الأخبار والمعلومات يتعذّر إثبات صحّتها، وهناك الاستشهادات والأقوال المُختلَقة التي تُنسَب إلى هذا الكاتب أو ذاك، فضلاً عن أنّ الانتفاخ النرجسي لا يستقيم من دون التضخيم والمبالغات.

خارج الحقائق العلمية المثبتة بالبراهين فإنّ نسبة كبيرة من حياتنا تطفو فوق بحر من المعلومات الباطلة. الكذب خبزنا اليومي. نحن نعيش على أرض منبسطة محاطة بجبال شاهقة من الكذب. ولولا الكذب الآخر الذي يلجأ اليه الخائفون من العقاب الشديد والموت، ولولا كذب الحنان الذي يتجسّد في صوت الأمّ المريضة وهي تطمئن ابنها على أنها بألف خير، ثمّ تطبق جفنيها للمرة الأخيرة، لولا هذا النوع من الكذب البريء، لكنّا اتفقنا مع العبارة التي تلفّظت بها كارين في فيلم "صراخ وهمس" للمخرج السينمائي السويدي إنغمار برغمـان: "إنه نسيج من الأكاذيب. كلّ شيء كاذب".