التفاوض كـ "خط دفاع أخير"... نظام الملالي أمام اختبار البقاء

10 دقائق للقراءة
أجرت أميركا وإسرائيل تمرينًا بحريًا مشتركًا في البحر الأحمر الأحد (القيادة المركزية الأميركية)

يبدو أن الجهود الدبلوماسية التي تبذلها الدول الإقليمية لتجنب ضربة أميركية ضدّ النظام الإيراني بدأت تؤتي ثمارها بحذر بالغ أمس، بحيث توقعت تقارير إعلامية أن يعقد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف محادثات في اسطنبول يوم الجمعة، غير أن تمسّك نظام الملالي، الذي يقاتل من أجل بقائه، بشروطه التفاوضية ورفضه تقديم تنازلات جسيمة، يرفع من احتمال انهيار المفاوضات، التي غدت "خط الدفاع الأخير" عن النظام المتخوّف من تفجّر الشارع الغاضب مجدّدًا في وجهه، ولجوء واشنطن إلى الخيار العسكري، في وقت تحدّث فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن أن "هناك تحديات أمامنا، ونتوقع لحظات صعبة، نحن يقظون ومستعدّون لأي تطور، نحن نراقب ما يحدث، ونحن مستعدّون لأي سيناريو"، متوعدًا بأن "أي جهة تهاجمنا ستتحمّل عواقب لا تطاق".

وفيما أكدت الخارجية الإيرانية أن طهران تدرس "الأبعاد والجوانب المختلفة للمحادثات"، موضحة أن "الوقت عامل مهم لإيران لأنها تريد رفع العقوبات الجائرة في أقرب وقت ممكن"، أفاد موقع "أكسيوس" بأنه من المتوقع أن يلتقي ويتكوف وعراقجي في اسطنبول الجمعة لبحث إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي، مشيرًا إلى أن الاجتماع المخطط له هو نتيجة جهود دبلوماسية بذلتها تركيا ومصر وقطر خلال الأيام القليلة الماضية. وكشف أن صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر يعتزم أيضًا الانضمام إلى الاجتماع، إلى جانب وزراء خارجية تركيا وقطر ومصر وسلطنة عُمان والسعودية وباكستان، وربما الإمارات.

وأكد مسؤول إيراني كبير لوكالة "رويترز" أن عراقجي سيعقد اجتماعًا مع ويتكوف في اسطنبول الجمعة، كما ذكر دبلوماسي إقليمي كبير أنه من المتوقع أن تشارك بعض دول المنطقة مثل السعودية والإمارات وسلطنة عُمان ومصر في الاجتماع، موضحًا أن الاجتماع سيعقد على المستويين الثنائي والثلاثي، بالإضافة إلى اجتماعات أخرى. ويأتي ذلك بعد أن أجرى عراقجي محادثات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية كل من السعودية ومصر وتركيا، كما تحدّث مع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، الذي أبلغه بأن بلاده لن تكون منطلقًا لأي عمل عسكري ضدّ إيران.

وبينما يطالب ترامب بأربع شروط مسبقة لاستئناف المحادثات مع طهران، وهي عدم تخصيب اليورانيوم في إيران، وتسليم اليورانيوم العالي التخصيب، وفرض قيود على برنامج طهران للصواريخ الباليستية، وإنهاء دعمها لميليشياتها في المنطقة، أفاد مسؤولون إيرانيون لـ "رويترز" بأن الملالي يرون أن برنامج الصواريخ الباليستية، لا تخصيب اليورانيوم، هو العقبة الأكبر. وأكد مسؤول إيراني أن "طهران تقول إنه من أجل استئناف المحادثات ينبغي عدم وجود شروط مسبقة، وإنها مستعدّة لإظهار المرونة في شأن تخصيب اليورانيوم، بما في ذلك تسليم 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، وقبول وقف التخصيب تمامًا في إطار آلية مشتركة كأحد الحلول". وأشار إلى أن إيران تريد ابتعاد الأصول العسكرية الأميركية منها من أجل بدء المحادثات، حاسمًا أن "الكرة الآن في ملعب ترامب".

لكن نائب رئيس أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني لشؤون السياسة الخارجية علي باقري كني، حسم أن المسؤولين الإيرانيين لا ينوون نقل مواد نووية مخصبة إلى أي دولة، جازمًا بأن المفاوضات لا تتعلّق بذلك على الإطلاق، في حين أكد الكرملين أن مسألة نقل اليورانيوم المخصب من إيران إلى روسيا مدرجة على جدول الأعمال منذ فترة طويلة، مشيرًا إلى أن موسكو تتواصل مع الأطراف المعنية في هذا الشأن وتحافظ على استعدادها لتهدئة التوتر في شأن إيران قدر المستطاع.

وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن كل من تركيا وقطر ومصر تحاول تنظيم اجتماع يضم ويتكوف وعراقجي، إلى جانب مسؤولين من دول أخرى في الشرق الأوسط، لكنها أشارت إلى أن المحادثات الأميركية - الإيرانية ما زالت تواجه عقبات مهمة، موضحة أن إيران أبلغت الوسطاء الإقليميين بأنها لن تناقش سوى برنامجها النووي، كما تواصل رفض المطلب الأميركي الرئيسي في هذا الصدد المتمثل في وقف إيران لتخصيب اليورانيوم داخل البلاد، وتسليم مخزوناتها الحالية.

ونقلت الصحيفة الأميركية عن وسطاء عرب قولهم إن إيران تخشى أن تكون أميركا تسعى إلى استخدام الدبلوماسية كوسيلة لكسب مزيد من الوقت لشن ضربة عسكرية، بينما أفادت بأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من المقرر أن يزور مصر والسعودية هذا الأسبوع لمواصلة الجهود الدبلوماسية. وأجرى رئيس أركان الجيش التركي سلجوق بيرقدار أوغلو، محادثات هاتفية مع نظيره السعودي فياض بن حامد الرويلي، حسب رئاسة الأركان التركية.

وكشفت "وول ستريت جورنال" أن بزشكيان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ناقشا خلال اتصال هاتفي السبت الماضي، مقترحًا واسعًا أعدّته سلطنة عُمان وقطر، وصيغ على غرار خطط لحل النزاعات في غزة وأوكرانيا، موضحة أن المقترح يجمع بين خطوات للتعامل مع تخصيب اليورانيوم وحوافز اقتصادية والتزامات أمنية، لكن لم يتضح ما إذا كانت واشنطن قد اطلعت على الخطة أو ما إذا كانت منفتحة عليها. وذكرت أن بزشكيان أكد خلال محادثاته مع السيسي أنه يريد ضمانات أميركية بعدم تعرض بلاده لهجوم خلال أي مفاوضات.

يتخوّف ملالي طهران من أن تشكّل أي ضربة عسكرية أميركية ضدّهم، حافزًا للإيرانيين لكي ينتفضوا مجدّدًا ضدّ النظام، إذ أوضح أربعة مسؤولين إيرانيين حاليين مطلعين لـ "رويترز" أن المرشد الأعلى علي خامنئي أُبلغ خلال اجتماعات رفيعة المستوى بأن الغضب الشعبي من حملة القمع التي حصلت الشهر الماضي بلغ مستوى لم يعد فيه الخوف رادعًا، مشيرين إلى أن خامنئي أُبلغ أيضًا بأن عددًا كبيرًا من الإيرانيين مستعدّ لمواجهة قوات الأمن مرة أخرى، وبأن الضغوط الخارجية مثل ضربة أميركية محدودة يمكن أن تشجعهم وتلحق ضررًا لا يمكن إصلاحه بالمؤسسة السياسية. وقال أحد المسؤولين: "ربّما يؤدي هجوم يعقبه تظاهرات من الشعب الغاضب إلى انهيار النظام الحاكم. هذا هو أبرز مخاوف كبار المسؤولين، وهذا ما يريده أعداؤنا". ورأى مسؤول سابق بارز من التيار المعتدل أن الوضع تغيّر منذ حملة القمع، مؤكدًا أن "الشعب غاضب للغاية... انهار جدار الخوف، لم يعد هناك خوف".

في سياق متصل، دعا ولي العهد الإيراني السابق المنفي رضا بهلوي، "الإيرانيين في الخارج ومحبي الحرية حول العالم"، إلى التحرك يوم 14 شباط المقبل تضامنًا مع ثورة "الأسد والشمس" في إيران بهدف دفع المجتمع الدولي لاتخاذ خطوات عملية عاجلة لدعم الشعب الإيراني. وأوضح أن مطالبنا الستة واضحة وهي تفكيك آلة القمع التابعة للنظام وحماية الشعب الإيراني، قطع شرايين التمويل عن النظام بشكل كامل، ضمان حرية الإنترنت والاتصالات للشعب الإيراني، طرد "دبلوماسيي" النظام ومحاكمة مجرميه، الإفراج الفوري عن جميع السجناء السياسيين، الاستعداد للاعتراف بحكومة انتقالية شرعية تقود إيران نحو الديمقراطية.

ودعت مؤسسة المعارضة الإيرانية الحائزة على جائزة "نوبل للسلام" نرجس محمدي، منظمات حقوق الإنسان والنشطاء المدنيين والمجتمع الدولي، إلى اتخاذ "إجراءات عملية" لحماية حياة السجناء السياسيين، مؤكدة ضرورة الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع السجناء السياسيين. وأشارت إلى مرور 53 يومًا على إعادة اعتقال محمدي من قبل قوات النظام، مؤكدة أنه حتى الآن لم تُنشر أي معلومات مستقلة وقابلة للتحقق حول حالتها الصحية. وذكرت أنه لن يُسمح لمحمدي بإجراء اتصالات هاتفية إلّا إذا التزمت بالقواعد التي تضعها السلطات القضائية والأمنية في شأن ما يُسمح لها قوله.

أما في إطار التنسيق الأميركي - الإسرائيلي حول الخطوات المقبلة حيال إيران، فكشف "أكسيوس" أن ويتكوف سيصل إلى إسرائيل اليوم، حيث سيلتقي نتنياهو بناء على طلب الأخير، كما سيلتقي رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، الذي عاد للتو من زيارة نادرة إلى واشنطن الأسبوع الماضي التقى خلالها رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال دان كاين لإطلاعه على الخطط الدفاعية والهجومية الإسرائيلية في حال نشوب حرب مع إيران. وأفادت القيادة المركزية الأميركية بأن المدمّرة الصاروخية الموجّهة "دلبرت دي بلاك" أجرت تمرينًا بحريًا روتينيًا مع السفينة الحربية الإسرائيلية "آي أن أس إيلات" التابعة للبحرية الإسرائيلية في البحر الأحمر، إثر زيارة ميناء كانت مقرّرة مسبقًا الأحد، موضحة أن التدريب المشترك "أظهر متانة الشراكة العسكرية بين الأسطول الخامس الأميركي والبحرية الإسرائيلية".

وعقد زامير مؤتمرًا بمشاركة منتدى القيادة العملياتية العليا، ركّز على تلخيص التدريبات التي نُفذت في الفرق الإقليمية عبر مختلف القطاعات، واستخلاص العبر العملياتية منها. واعتبر أنه "يجب أن نواصل استخلاص الدروس من أحداث 7 أكتوبر، وأن نعزز وضعنا الدفاعي، وأن نكون مستعدين لسلسلة من العمليات الهجومية على كافة الجبهات"، مؤكدًا أن "الجيش الإسرائيلي يستعد لسيناريوات متعددة، وعلينا أن نبقى في حالة يقظة وجهوزية في كل الأوقات لتحقيق النصر في حرب متعددة الجبهات". وكان معبّرًا تأكيد زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد أن "إسرائيل بأكملها متحدة ضدّ إيران ولا خلاف بيني وبين نتنياهو حول أهمية التصدي لهذا التهديد".

وأفادت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية بأنه تشكّل محور عملي واستراتيجي ثلاثي الأطراف بين زامير، وقائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، وهيئة الأركان المشتركة الأميركية وطاقمها، موضحة أن النتيجة العملية تمثلت في قناة أكثر إحكامًا وروتينية، تربط بين الدروس الميدانية، ودمج المعلومات الاستخباراتية، والتخطيط للطوارئ عبر إسرائيل ومنطقة مسؤولية القيادة المركزية الأميركية والمستويات العليا في الجيش الأميركي. بالتوازي، حسم وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث أن الجيش الأميركي "مستعدّ أكثر من أي وقت" لاتخاذ إجراءات ضدّ إيران إذا لم تنخرط في مفاوضات.

في المقابل، حذر رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية عبد الرحيم موسوي من أن "العالم سيشهد وجهًا مختلفًا لإيران المقتدرة، وعندها لن يكون أي أميركي في مأمن، وستلتهم نيران المنطقة أميركا وحلفاءها"، متوعدًا بأن "رجال وسيدات المقاومة سيطهرون المنطقة من دنس الغرباء بنار التطهير إذا اندلعت الحرب". وحسم أن "إيران لا تفكر إلّا في النصر ولا تخشى الضجيج والهيمنة الظاهرية للعدو، وهي مستعدّة تمامًا لمواجهة العدو وردّ الصاع صاعين له".

في الغضون، استدعت الخارجية الإيرانية سفراء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بعدما صنف الأخير "الحرس الثوري" على لائحة الإرهاب في التكتل، مشيرة إلى أن "ثمة مجموعة من الإجراءات الأخرى قيد الدراسة، وتم إعداد خيارات متنوعة وأُرسلت إلى الجهات المعنية لاتخاذ القرار"، في وقت عبّرت فيه المفوضية الأوروبية عن رفضها لقرار إيران الأحد تصنيف جيوش دول التكتل "جماعات إرهابية". كما أعلنت دائرة الأمن الأوكرانية أنها أدرجت "الحرس" على لائحتها للمنظمات الإرهابية. وأضافت لندن 11 اسمًا جديدًا إلى لائحة العقوبات المفروضة على إيران، حيث شملت اللائحة 10 أفراد وكيانًا واحدًا، من بينهم وزير الداخلية إسكندر مؤمني، وقادة شرطة، وعناصر بارزة في "الحرس"، لدورهم في أعمال العنف الأخيرة ضدّ المتظاهرين.