يعيش النظام الإيراني أصعب أيّامه اليوم منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، فها هو محاصر بين أزمة اقتصادية مستفحلة ونقمة شعبية متفاقمة، ولو هدأت شكلًا نتيجة القمع الإجرامي المتمادي، وضغطٍ أميركيّ غير مسبوق مع مجموعة شروط من الرئيس دونالد ترامب وإدارته. فالشروط التي يفرضها الجانب الأميركي لا يمكن توصيفها كقاعدة تفاوض تقليدية بقدر ما تُشكّل سقفًا سياسيًا استراتيجيًا مرتفعًا يضع طهران أمام خيارين لا ثالث لهما: الامتثال الكامل أو مواجهة تصعيدٍ حاسمٍ ومتعدّد الأشكال. ورغم هذه اللهجة المتشدّدة والمشهد المتلبّد، إلّا أن المعطيات تشير إلى أن المسار الدبلوماسي لم يُقفل بالكامل، إذ يُنتظر أن يشهد هذا الأسبوع لقاءً أميركيًا - إيرانيًا في إطار محاولاتٍ إقليميةٍ ودوليةٍ لاحتواء التصعيد وفتح نافذةٍ تفاوضيةٍ ضيّقة.
من المتوقع أن يلتقي المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في اسطنبول، إن لم يطرأ أي تغيير، ضمن محادثاتٍ يُفترض أن تمهّد لأرضيةٍ تفاوضيةٍ جديدة. وتشير المعلومات إلى أن الخطة المطروحة تقوم على مقاربةٍ مزدوجة، تجمع بين خطواتٍ تتعلّق بملف تخصيب اليورانيوم، وحوافز اقتصادية، إضافة إلى التزاماتٍ وضماناتٍ أمنية، في محاولةٍ لخلق توازنٍ بين متطلّبات واشنطن وهواجس طهران.
في صلب الشروط الأميركية، يبرز المطلب المتعلّق بالملف النووي، حيث يُطلب من إيران تسليم نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم العالي التخصيب إلى جهةٍ دولية، ووقف عمليات التخصيب تمامًا داخل إيران. بيد أن هذا الشرط لا يُطرح كإجراءٍ مرحلي، بل كمدخلٍ لتفكيكٍ كاملٍ للبرنامج النووي، يشمل أجهزة الطرد المركزي، والمواقع، والمسارات الموازية، مع فرض رقابةٍ دائمةٍ ومفتوحة. هنا، لا تتحدّث واشنطن عن ضبطٍ أو تقييد، بل عن نزع القدرة النووية من أساسها.
إلى جانب النووي، تستهدف الشروط الأميركية العمود الثاني في العقيدة العسكرية الإيرانية، أي القدرات الصاروخية. فالطرح يشمل تفكيك الصواريخ الباليستية، ومنظومات الإطلاق، وسلاسل الإنتاج، إضافةً إلى وقف البرنامج الصاروخي بالكامل، بحثًا وتطويرًا واختبارًا. كما يمتدّ ليطول الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، التي باتت عنصرًا حاسمًا في استراتيجية الردع الإيرانية خلال السنوات الأخيرة. وبذلك، تنتقل الشروط من منع امتلاك سلاح استراتيجي إلى شلّ أدوات الردع التقليدية وغير التقليدية.
غير أن التحوّل الأبرز يتمثل في الشرط المتعلّق بإنهاء دعم الأذرع في المنطقة، وتحديدًا في اليمن والعراق وغزة ولبنان، بما يشمل التمويل والتسليح والتدريب. فهذا البند لا يطول برنامجًا تقنيًا أو عسكريًا فحسب، بل يستهدف جوهر المشروع الإقليمي الإيراني. فإذا كان النووي ورقة تفاوض، والصواريخ أداة ردع، فإن شبكة الحلفاء والوكلاء تُشكِّل الذراع التنفيذية للنفوذ الإيراني خارج حدوده، والمطالبة بتفكيكها تعني عمليًا إعادة إيران إلى داخل حدودها الجغرافية وتجريدها من أوراق القوة الإقليمية.
ورغم هذا السقف المرتفع، تفيد معطيات دبلوماسية بأن طهران أبدت استعدادًا لتقديم تنازلاتٍ استثنائية في محاولةٍ لتهدئة الوضع وكسب الوقت لالتقاط أنفاسها، والسعي إلى التداول من جديد في الملفات المطروحة بهدف المراوغة، علّ تغيّرًا ما يطرأ في الإقليم أو في الداخل الأميركي ويوجّه الأنظار بعيدًا من الشرق الأوسط ويكسر حدّة الضغط المفروض، إذ إن إيران، التي تدرك تمامًا أن عملية "مطرقة منتصف الليل" بتوقيع طائرات ترامب دمّرت تقريبًا مساعيها النووية، قد تكون مستعدّة لكل الخيارات في الملف النووي، وصولًا حتى إلى إغلاق أو تعليق برنامجها النووي بالكامل، كما تشير المعطيات، وهو ما يمكنها أن تُسوّقه على أنه تنازل كبير. ويبدو أن طهران تسعى إلى إعادة إحياء مقترحٍ أميركي طُرح العام الماضي يقضي بإنشاء اتحادٍ إقليميّ لإنتاج الطاقة النووية تكون هي ضمنه. كذلك، نُقل أن إيران قد توافق على شحن اليورانيوم المخصّب إلى الخارج، وتحديدًا إلى روسيا، على غرار ما حصل في إطار اتفاق عام 2015، وقد أشارت معلومات دبلوماسية إلى أن المرشد أوفد أخيرًا مستشاره علي لاريجاني لنقل هذه الرسالة بالذات إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في إشارةٍ تهدف إلى طمأنة المجتمع الدولي من دون المساس المباشر ببقية عناصر قوتها.
إيران تدرك أن تغييرًا قد حصل وأنها بحاجةٍ إلى التراجع، وهي مستعدّة لذلك، لكنها تخشى أن تكون واشنطن تستخدم المسار الدبلوماسي لكسب الوقت تمهيدًا لعملٍ عسكري، وأكثر ما تبحث عنه طهران اليوم هو الضمانات الأمنية، وسط معلوماتٍ عن أن هذه الضمانات كانت المطلب الأساسي الذي رفعه كلّ من الرئيس مسعود بزشكيان وعراقجي خلال سلسلة الاتصالات التي أجرياها في الأيام الأخيرة مع القطريين أو المصريين أو الأتراك أو حتى السعوديين. لكن لا ضمانات يمكن لأحد تقديمها مع إدارة ترامب قبل التوصّل إلى حلّ شامل لكل الملفات، وسط إصرار أميركا على توسيع أي تفاوض ليشمل الصواريخ والدور الإقليمي، لا الاكتفاء بالملف النووي.
وفي حال فشل المسار الدبلوماسي، تنكبّ واشنطن على بلورة سيناريوات تصعيدية عدة، بينها توجيه ضربة عسكرية محدودة تستهدف منشآتٍ نووية ومواقع تابعة لـ "الحرس الثوري" والباسيج والبنية التحتية العسكرية، بهدف إعادة ضبط قواعد الردع من دون الانزلاق إلى حرب شاملة. أمّا السيناريو الثاني، فيقوم على تشديد الخناق الاقتصادي عبر حصارٍ بحريّ يقيّد صادرات النفط، على غرار النموذج الفنزويلي، وهو مسارٌ طويل النفس يراهن على إنهاك الداخل الإيراني.
ترفض إسرائيل بأيّ شكلٍ من الأشكال أي حلّ جزئي، كالوصول إلى تسوية بين واشنطن وطهران ترتكز على وقف التخصيب مقابل رفعٍ تدريجيّ للعقوبات، لإدراكها بأن هذا الحلّ لن يُريح المنطقة بل سيُريح النظام فقط، ويسمح له بتجديد نشاطه الداخلي والإقليمي. وكان ذلك جليًا من خلال ما رشح من معلومات حول مداولات اللقاءات الإسرائيلية مع الجانب الأميركي خلال نهاية الأسبوع المنصرم، والتي ركّزت على معلوماتٍ أمنيةٍ وعسكريةٍ وأهدافٍ إيرانية. ومن يلتقط الإشارات يدرك أن الإعلان عن أن التنسيق الإسرائيلي - الأميركي مستمر وحصري عبر قناة يديرها رجل عسكري هو الجنرال الإسرائيلي إيال زامير، يعني جيّدًا أن لا مكان حاليًا لأنصاف الحلول ولا للزوايا المُدوّرة، بل للحلول الشاملة، وإلّا فالآلة العسكرية جاهزة للقيام بما يلزم.
في الخلاصة، ما تطرحه إدارة ترامب لا يُشبه اتفاقًا نوويًا معدّلًا بقدر ما يبدو خريطة تفكيكٍ شاملة: تفكيك القدرة النووية، شلّ القوة الصاروخية، وإنهاء النفوذ الإقليمي. وبين الامتثال الكامل والرفض الكامل، تُدفَع إيران إلى لحظةٍ مفصلية ستحدّد شكل المواجهة أو التسوية المقبلة. قد يعتبر البعض أن إعلان الرئيس الأميركي تفاصيل بناء قوس نصرٍ عملاق في واشنطن هو تفصيلٌ صغير، لكنه عكس ذلك، خصوصًا في هذا التوقيت بالذات. فالرمزية هنا لا تقلّ أهمية عن السياسة نفسها: أميركا، مع ترامب، تريد إعادة تذكير العالم بعظمتها وقوتها، وبأن انتصارها صنع هذا العالم الجديد، وبأن انتصارها اليوم مطلوب وحتميّ لإعادة تصويب شوائب العالم الجديد. رسالة قوة في لحظة تغييرٍ كبير، تفاوض، وتذكير بأن الدبلوماسية قد تكون مطروحة على الطاولة… لكن من موقع تفوّق، لا مكان فيه للتنازل.