كتبت دجنّا جعجع في موقع The Beiruter المقال الآتي:
لكل 100,000 شخص في لبنان، سيُشخّص 233 منهم بـ "ذاك المرض" الذي يغيّر كل شيء.
خلف هذه الأرقام آباء وأمهات وأطفال وأصدقاء، حياة توقفت، عائلات اهتزت،
ألمٌ تفاعل وأمل تم اختباره.
وفقًا لأحدث دراسة نُشرت في 2025 في مجلة The Lancet، ارتفعت نسبة حالات السرطان الجديدة في لبنان بنسبة مذهلة بلغت 162% بين عامي 1990 و2023، بينما زادت الوفيات المرتبطة بالسرطان بنسبة 80% خلال الفترة نفسها.
وقد شدّد تقرير صادر عن صحيفة Daily Mail البريطانية على خطورة الوضع، حيث صنف لبنان في المرتبة الأولى عالميًا من حيث ارتفاع معدل الوفيات بالسرطان على مدى العقود الثلاثة الماضية.
يشير المعهد الوطني للصحة إلى أن عوامل عدة تقف وراء هذه الأرقام المقلقة، منها التلوث البيئي الناتج عن الانتشار الكبير للمولدات الخاصة التي تعمل بالديزل، التدخين، الاستخدام غير المنظم للمواد الكيميائية والمبيدات في الزراعة، والتخلص من النفايات وحرقها بالقرب من المناطق السكنية.
أوقف السجل الوطني للسرطان التابع لوزارة الصحة، والذي يوثق حالات السرطان في لبنان، نشر الإحصاءات بعد عام 2016. وعند مراجعة الأرقام، يظهر أنه في عام 2005، عند بدء آلية التسجيل، كان هناك 7,406 حالات (باستثناء سرطان الجلد غير الميلانيني). وبحلول عام 2009، ارتفعت الحالات إلى 8,734، ثم واصلت الارتفاع لتصل إلى 11,392 في 2016.
في يوليو 2023، أطلقت وزارة الصحة خطة وطنية جديدة لمكافحة السرطان أعادت تفعيل السجل، وأظهرت الأرقام المحدثة استمرار الاتجاه التصاعدي، مع تسجيل 14,035 حالة في 2019، وانخفاض طفيف إلى 13,390 في 2022، آخر سنة تم الإبلاغ عنها.
وزير الصحة لـ"البييروتر": أزمة الأدوية المزورة
تحدث الوزير الدكتور راكان نصردين لـ"البييروتر" عن واقع علاج السرطان في لبنان، مستعرضًا الإنجازات والتحديات المتبقية.
وقال: "عندما بدأنا في الوزارة، كان هناك تغطية محدودة للأدوية. اليوم، نغطي أكثر من 400% مقارنة بالسابق. لقد وسعنا بروتوكولات العلاج بشكل كبير. وبينما لا نغطي كل شيء بعد، مع الجهد والدعم القوي، يستجيب نحو 94% من المرضى إيجابيًا. فقط حوالي 6% من الحالات ما زالت مرفوضة. نواصل محاولة توسيع البروتوكولات، لكن الميزانية تحدّنا."
وأشار الوزير إلى حجم الجهد المالي وراء هذه التحسينات: "بلغت ميزانية الوزارة للأدوية تقريبًا 100 مليون دولار العام الماضي. العام المقبل، نخطط لـ115 مليون دولار، ونهدف إلى أكثر من 113 مليون دولار للأدوية الأساسية."
وعن أزمة الأدوية المزورة، وسط سوق غمرته الأدوية المزيفة التي تهدد علاج المرضى وحياتهم، قال الوزير :
"تعلمون أن هذا أمر بالغ الأهمية، خصوصًا أننا لم نملك بعد مختبر صحة عامة مركزي. ولحسن الحظ، حصلنا خلال الأشهر الماضية على موافقة مجلس الوزراء لإنشاء هذا المختبر المركزي. الآن نحن في مرحلة التنفيذ، واستوردنا بعض المعدات. ونأمل في الأشهر القادمة إطلاقه ليكون أداة لنا للكشف والتحقيق في أي مشكلة دوائية في البلاد."
إرث الفساد السياسي الطبي: هاني نصار
أوضح هاني نصار، مؤسس مؤسسة باربرا نصار للسرطان، لـ"البييروتر" معاناة طويلة لتأمين أدوية تنقذ حياة المرضى.
وقال: "أثناء الأزمة وبعدها، كان يُطلب منا التوجه إلى المستشفيات عند الفجر لمجرد تأمين مكان في الطابور. ننتظر طوال اليوم، ثم يقولون لنا: الدواء غير متوفر."
وبعد دقائق، يُسلّم الدواء لشخص آخر. "يصل اتصال من مسؤول حزبي، وفجأة يظهر الدواء، لكنه ليس لك… بل لشخص ينتمي إليهم."
ووصف ما أسماه نظام توزيع موازٍ تديره الفصائل السياسية: "بعض الأحزاب كانت تأخذ الدواء من الدولة وتوزعه على أنصارها. حزب الله فعل ذلك. حركة أمل فعلت ذلك."
أما من دون دعم سياسي؟ "إذا كان لديك واسطة، كنت تعيش. وإذا لم تكن، تنتظر.. أو تموت."
الأزمة تتحوّل إلى جريمة
مع الأسعار المدعومة من الدولة، أصبح تهريب أدوية السرطان مربحًا للغاية. أدوية تكلف وزارة الصحة جزءًا بسيطًا من قيمتها السوقية، أحيانًا 200 أو 300 دولار لعلاجات قيمتها 10,000 دولار، كانت تُهرّب وتباع بالخارج بالسعر الكامل.
اختفت أدوية مخصصة للمرضى اللبنانيين من المستشفيات والصيدليات، لتُعاد شراؤها لاحقًا في السوق السوداء بالدولار الطازج.
"بلدنا يقتلنا"
في 26 أبريل 2021، انضم نصار إلى عشرات المرضى خارج مقر الإسكوا في بيروت للاحتجاج على انهيار النظام الصحي في لبنان.
وتم تقديم رسالة لمسؤولي الأمم المتحدة تحذر: "بلدنا يقتلنا". في اليوم التالي، بدأت كميات محدودة من الأدوية بالوصول إلى المستشفيات مجددًا، لكنها كانت صغيرة بشكل لافت.
أثار دواء السرطان "Xtandi" قلقًا خاصًا، إذ دخل لبنان حديثًا. وقال نصار إن علاقات مؤسسته المباشرة مع شركات الأدوية أعطته بيانات الاستيراد التي أظهرت أن وزارة الصحة استلمت 122 صندوقًا، تكفي لعلاج نحو 50 مريضًا لمدة شهرين ونصف. ومع ذلك، بعد الجولة الأولى من التوزيع، أبلغ المسؤولون أن الإمدادات نفدت، ولم يحصل بعض المرضى حتى على جرعة واحدة.
الأدوية المزورة والفضائح المصنّعة
مع اختفاء الأدوية من القنوات الرسمية، لجأ المرضى إلى بدائل: تركيا، مصر، دبي.
وقال نصار: "عندما تتخلى الدولة عنك، ما الخيارات المتاحة؟"
لكن اليأس خلق مساحة للاحتيال: "بدأت الأدوية المزورة بالوصول. بعض الصيدليات في تركيا كانت تبيع أدوية مزيّفة. المرضى كانوا يختارون 1,000 دولار بدل 2,000 دولار، لأنهم لا يملكون المال."
وأشار إلى حالات تصل فيها الأدوية المزيفة إلى تبلور داخل أجسام المرضى. "كان يمكن أن تقتلهم لو لم يتوقف العلاج في الوقت المناسب."
ثم جاء ما وصفه بعاصفة إعلامية: "كنت غاضبًا. كنا نصرخ منذ أربع سنوات. أين كانوا عندما كان الناس يموتون؟"
السوق المظلم للأدوية المزورة
وصف طبيب الأورام الدكتور منصور سالم، الذي عالج العديد من مرضى السرطان، الواقع المظلم قائلاً: "هناك الكثير من الأدوية المزورة."
وأضاف: "في السابق، كانت الوزارة توصل الدواء مباشرة للمرضى. اليوم، غالبًا ما يُسلم الدواء عبر وسطاء يختفون بعد ذلك، تاركين المرضى عرضة للخطر."
ولمن لا يستطيع الوصول للأدوية عبر القنوات الرسمية، البديل الوحيد غالبًا هو السوق السوداء: "أين يشترونها؟ في الأسواق السوداء."
أعرب الدكتور سالم عن قلق خاص بشأن تدفق الأدوية الأجنبية، بما في ذلك من إيران وتركيا: "هناك غزو للأدوية الإيرانية. بعض المرضى يرسلون لي صور هذه الأدوية."
وأشار إلى الفروق الكبيرة في الأسعار: "دواء مثل Keytruda يُسعّر رسميًا بـ6,000 دولار، لكن المرضى يمكنهم شراؤه بـ500 أو 600 دولار في الشارع. إنهم يلعبون بصحة الناس."
وجوه الأزمة
روى بول، مريض مصاب بالورم النخاعي المتعدد، كيف تحوّل علاجه إلى مواجهة مخيفة مع الأدوية المزورة:
"كانت أرقامي تتحسن، حتى توقفت فجأة." وأضاف: "عندما غيرنا مصدر دوائي من مورد محلي، استقرت حالتي مجددًا. نفس الدواء، نتيجة مختلفة. عندها أدركت أنني كنت أتناول مزيّفًا."
قصته تذكير صارخ بمدى هشاشة حياة المرضى عند انعدام الوصول إلى أدوية آمنة وحقيقية، وكيف يمكن للإخفاقات النظامية تحويل الأمل إلى خطر بين ليلة وضحاها.
وروت أم، طلبت عدم كشف هويتها، خسارة ابنتها المأساوية بسبب سرطان المبيض:
"بعد عودة المرض، وصف الأطباء دواء Lynparza، وهو علاج مستهدف كان يمكن أن يبطئ تقدمه. 'تكلفة الدواء أكثر من 6,000 دولار، كيف يمكننا تحمله؟' كنت أفكر، 'كيف يكون من العدل أن تعتمد حياة طفلي على المال؟'"
كل مكالمة إلى وزارة الصحة العامة كانت تنتهي بيأس: لا تغطية، لا عون، فقط مرور الوقت بينما تضعف قوة ابنتها. "شاهدتها تكافح كل يوم بشجاعة كبيرة، وكنت أشعر بالعجز. لم أستطع إنقاذها، ولم أستطع حتى أن أمنحها الدواء الذي كان قد يمنحها وقتًا أطول."
مع حلول 2026، العبء طبي وأخلاقي معًا. وزارة الصحة العامة تقف في قلب معركة حيث التوسع في تغطية الأدوية أمر حيوي. في الوقت نفسه، لا يمكن أن تظل أزمة الأدوية المزورة والمهربة جرحًا مفتوحًا. الأدوية المزورة لا تفشل المرضى فحسب، بل تخونهم. بدون رقابة صارمة، مختبرات فعالة، ومحاسبة في سلسلة التوريد، يصبح العلاج مقامرة بدلًا من أن يكون ضمانًا.
وفوق البنية التحتية، يكمن تحدٍ أعمق: كسر قبضة التدخل السياسي في الأدوية المنقذة للحياة. الصحة لا يمكن التفاوض عليها من خلال الولاء، الخدمات، أو الانتماءات. يجب أن تصل الأدوية إلى المرضى لأنهم مرضى، وليس لأنهم مرتبطون بأحد. بالنسبة للمرضى، يعتمد البقاء الآن على ما إذا كان النظام قادرًا على التحرك أسرع من المرض.