أسئلة مشروعة حول المتدربين في مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية

من "التدريب" إلى التوظيف المقنّع

4 دقائق للقراءة

في وقتٍ يرزح فيه القطاع العام اللبناني تحت وطأة الترهل الإداري، وتجميد التوظيف، والنقص في الموارد البشرية المؤهلة، تبرز ممارسات تطرح علامات استفهام كبرى حول مفهوم "الإصلاح الإداري" وحدود التعاون مع الجهات الدولية، لا سيما في مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية.

تفيد معطيات متداولة بأن ما يقارب اثني عشر متدرّبًا يعملون حاليًا في إطار برامج مدعومة من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، على أن تُدفع لهم مخصصات يومية تبلغ نحو 30 دولارًا أميركيًا عن كل يوم حضور، تحت عنوان بدل تنقلات، بتمويل من البنك الدولي.

حتى هذه النقطة، قد يبدو الأمر طبيعيًا في سياق التعاون الدولي وبناء القدرات. غير أن الإشكالية الحقيقية تبدأ عند تحوّل صفة المتدرّب، خلال فترة التدريب أو في نهايتها، إلى متعاقد مع الوزارة بقرار من الوزير، ومن ثم إدماجه تدريجيًا في صلب العمل الإداري، ومنحه مهام وصلاحيات تعود أصلًا إلى موظفين رسميين.

إدارة تضم موظفين… لكن الصلاحيات تُنقل إلى غيرهم

المفارقة الأساسية تكمن في أن مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية يضم، بحسب المعلومات، أكثر من ثلاثين موظفًا رسميًا من مختلف الفئات، يخضعون لقانون الموظفين، ويتقاضون رواتبهم من الخزينة العامة، ويُفترض أن يكونوا هم العمود الفقري للإدارة.

ورغم ذلك، تشير الوقائع إلى أن المتدرّبين – الذين لا تربطهم أي علاقة وظيفية قانونية بالإدارة – باتوا يؤدون مهام أساسية، ويشاركون في إعداد ملفات، ومراسلات، وأعمال إدارية وتنظيمية، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول تجاوز مبدأ التسلسل الإداري، وتفريغ الوظيفة العامة من مضمونها.

الإطار القانوني: أين الخلل؟

من الناحية القانونية، يخضع التوظيف في الإدارات العامة اللبنانية لأحكام واضحة، أبرزها:

قانون الموظفين (المرسوم الاشتراعي رقم 112/1959) الذي يحدد طرق الدخول إلى الوظيفة العامة، ويكرّس مبدأ المباراة عبر مجلس الخدمة المدنية كقاعدة أساسية.

مبدأ المساواة في تولي الوظائف العامة المنصوص عليه في الدستور اللبناني، والذي يمنع أي شكل من أشكال الاستنساب أو التوظيف المقنّع.

قرارات متكررة صادرة عن مجلس شورى الدولة اعتبرت أن أي إدماج أو تعاقد يؤدي عمليًا إلى شغل وظيفة دائمة، من خارج الأطر القانونية، يُعد مخالفة صريحة.

وبالتالي، فإن تحويل المتدرّب إلى متعاقد بقرار منفرد، من دون المرور بالآليات القانونية، ومن ثم منحه صلاحيات موظف عام، يشكّل، في حال ثبوته، التفافًا على القوانين المرعية الإجراء، حتى ولو تم تحت عناوين التعاون أو الدعم الدولي.

التعاون الدولي… نعم، لكن بشروط

لا جدال في أهمية التعاون مع الجهات الدولية، ولا في الدور الذي تلعبه برامج الأمم المتحدة والبنك الدولي في دعم الإدارة اللبنانية. لكن هذا التعاون يجب أن يبقى ضمن حدود التدريب ونقل الخبرات، لا أن يتحوّل إلى قناة بديلة للتوظيف، أو إلى وسيلة لإحلال أشخاص مكان موظفين يخضعون للقانون والمساءلة.

فالخطر لا يقتصر على المخالفة القانونية فحسب، بل يمتد إلى: ضرب هيبة الوظيفة العامة، إحباط الموظفين النظاميين، خلق مراكز نفوذ خارج أي إطار رقابي، وربط استمرارية العمل الإداري بتمويل خارجي ظرفي. أسئلة برسم وزير التنمية الإدارية والجهات الرقابية.

انطلاقًا مما تقدم، تبرز مجموعة أسئلة مشروعة: ما هو الإطار القانوني الذي يحكم وجود هؤلاء المتدرّبين؟ هل تنتهي مهمتهم فعليًا بانتهاء فترة التدريب؟على أي أساس يتم التعاقد معهم لاحقًا؟ وهل اطّلع مجلس الخدمة المدنية أو ديوان المحاسبة على هذه الآلية؟ وأين تقع حقوق الموظفين النظاميين في هذا المسار؟

إن الإصلاح الإداري لا يُبنى عبر حلول ملتوية أو استثناءات دائمة، بل عبر احترام القانون، وتعزيز المؤسسات، وصون مبدأ الشفافية. أما تحويل "التدريب" إلى باب خلفي للتوظيف، فهو مسار يعاكس تمامًا الشعارات المرفوعة، ويستدعي تدخلًا رقابيًا جديًا قبل أن يصبح قاعدة معمّمة في الإدارات العامة.