شادي معلوف

حلقتان قبل التتويج... تفاعل شعبيّ وحماسة يرافقان "Let's Dabke - يلا ندبك"

9 دقائق للقراءة

بعد أسابيع من الحماسة والأجواء اللبنانية الغنائية والراقصة، يستعد برنامج "Let's Dabke - يلا ندبك" عبر شاشة "mtv" ليبلغ خواتيمه السعيدة بتتويج الفرقة الفائزة قريبًا. بالانتظار أثبت البرنامج مرّة جديدة أن مقولة "الجمهور عايز كده" التي يعتمدها بعض الإعلام لتقديم "ما هبّ ودبّ" من برامج للمشاهدين والمستمعين، لا تتوافق مع الواقع. صحيح أن الإذاعة والتلفزيون ليسا فصلًا في مدرسة أو محاضرة في جامعة، وأنهما في الدرجة الأولى وسيلتا إعلام وترفيه، لكن للترفيه أصولًا وأهدافًا. فلا ضير أن يترافق الترفيه مع تقديم رسالة أو معلومة، وهذا ما قام به برنامج "Let's Dabke - يلا ندبك" من حيث يدري القائمون عليه أو لا يدرون.


عودة إلى رقصتنا الوطنيّة

ففي المقام الأول، وفي رسالة انتماء لتراثنا اللبناني، أعاد البرنامج إلى أذهان اللبنانيين رقصتهم الوطنيّة التي كدنا نعتقد أنها سقطت من حساباتنا تحت وطأة "الفرْنجَة" الموسيقيّة التي اجتاحت سهرات الجيل الجديد، وضياع هوية الأغنية والموسيقى اللبنانيّة على حساب الأنماط الهجينة التي اجتاحت أغنيتنا كلامًا ولحنًا، والتي للأسف ساهم بعض كتاب الأغنيات وملحنيها ومؤدّيها اللبنانيين، في إفقادها هويّتها التي تعب من سبقهم على تثبيتها. 

وفي المقام الثاني أعاد البرنامج إلى أسماع اللبنانيّين أغنيات وأصواتًا من تاريخنا الفني المجيد، رافقت عز رقصة الدبكة التي كانت تصاحب المسرحيات واللوحات الفنية زمن المسرح الغنائي والأغنيات الشعبية اللبنانية. 

كذلك دفعت مشاركات فِرَق الدبكة من مختلف المناطق اللبنانيّة، أبناء الجيل الجديد وبناته، للتعرّف على أصول رقصتهم التراثيّة... ومَن يدري ربّما يندفعون لتعلّم أصولها تمهيدًا لمشاركتهم في مواسم لاحقة من البرنامج إن شاءت "mtv" إعادة الكرّة.


تفاعُل شعبيّ

على أي حال، كان لافتًا في الأسابيع الماضية التفاعل الشعبيّ والاستقبالات التي حظيت بها الفرق المشاركة في البرنامج، عند عودتها إلى قراها وبلداتها. كذلك لفت إصدار بعض البلديّات بيانات تشجيع للفرقة التي تمثل بلداتها، فتحوّل البرنامج بذلك إلى عنوان وطنيّ جامع لا تفرّقه التفاصيل السياسيّة والمناطقيّة. 

في هذا الإطار، يقول مسؤول "فرقة برجا للفنون الشعبية" خضر ترّو إن أعضاء الفرقة لمسوا الاهتمام الكبير للجمهور بالبرنامج، "لا سيّما في بلدتنا برجا التي تخلو ساحاتها وشوارعها من المواطنين مساء الأحد لمتابعتنا على الشاشة، وأيضًا من خلال استقبال أعضاء الفرقة لدى عودتها إلى البلدة والتفاعل معهم". وتابع ترّو في حديثه مع مندوب "نداء الوطن" عامر زين الدين: "أهالي بلدتنا على تواصل دائم معنا، واستطعنا أن نحمل اسم برجا ومنطقة الشوف، وكلّ من يحبّ هذا النوع من الفولكلور. وكان أملنا وطموحنا إبراز هذا الجهد والتعب، لأن المسرح يحتاج الى الكثير من الجهد".


تاريخ وحاضر

"فرقة برجا للفنون الشعبية"، أسسها عمر ترّو عام 1980. اشتركت حينها في برنامج "ستوديو الفن" ونالت المركز الأول عن منطقة جبل لبنان. رغم الحرب واصلت الفرقة إحياء الأنشطة والمناسبات في ثانوية البلدة. وفي العام 1999، يقول خضر ترّو: "أطلقنا الفرقة مجدَّدًا حيث تعمل بشكل مستمرّ، ونركّز في تدريباتنا على الدبكات المسرحيّة، من فولكلور الأخوين الرحباني إلى روميو لحود وأغنيات مطربي الرعيل الأول مثل وديع الصافي، وصباح، ونصري شمس الدين وفيروز وآخرين".

يتابع ترّو: "ثمة أعضاء من أوائل الناشطين في الفرقة تقاعدوا لكنهم آثروا مشاركة أبنائهم فيها. وفرقتنا الفنيّة تُعتبر واحدة من عائلات بلدة برجا في الشوف - إقليم الخروب. يعكس ذلك احتضان الأهالي لها من أبناء البلدة والمنطقة، وهي تشارك في إحياء المناسبات في مختلف المناطق اللبنانية ولا سيّما مناطق جبل لبنان، وخاصةً قضاءَي الشوف وعاليه حيث يلقى هذا النوع من الفن الفولكلوري اهتمامًا كبيرًا. وقد تبدّى ذلك من خلال الأمسية الفنية التي أقيمت في "مكتبة بعقلين الوطنية" الصيف الماضي، عبر فرقتَين، الأولى ضمّت 26 شخصًا، والثانية من سنّ 7 لغاية 14 سنة وضمّت 24 شخصًا، وبعدد إجماليّ بلغ حوالى 50 شخصًا، عدا 100 شخص من المتدرّبين الجدد، الذين نستقبلهم من دون أي مقابل".

الفرقة، بحسب ترّو، شاركت في الأشهر الماضية "بسلسلة أنشطة مهمّة، منها تكريم ضخم لعاصي ومنصور الرحباني في ذوق مكايل، ومع "جمعية جبلنا" في معاصر الشوف. وشكلت المناسبتان انطلاقة تحفيزية، أوصلتنا إلى برنامج "Let's Dabke - يلا ندبك" عبر قناة "mtv". وقد افتتحت فرقتنا الصغيرة البرنامج، بينما الفرقة الكبيرة شاركت في 9 فقرات على نغمات أغنيات تعكس الحنين وتنعش الذاكرة اللبنانية. واكتشفنا توق مجتمعنا إلى مشاهدة هذا النوع من الفن، كما أن شبّاننا وصبايانا أبدعوا بأدائهم على المسرح، نتيجة جهدهم وإصرارهم وتضحياتهم. كذلك فعل الأطفال المشاركون الذين يتدرّبون نحو 16 ساعة في الأسبوع صيفًا، وهؤلاء يستحقون كل نجاح".


أمل وأهميّة

غدًا الأحد، يبلغ البرنامج محطّته نصف النهائية، يأمل خضر ترّو تأهل فرقته إلى المرحلة النهائية الأحد في 15 شباط الجاري، "وطموحنا أن تنال المركز الأول، فيكون التاريخ قد أعاد نفسه إذا فزنا بهذا المركز، في تكرار لفوز الفرقة عام 1980 بالمركز الأول في برنامج تلفزيوني أيضًا". 

عن أهمية برنامج "Let's Dabke - يلا ندبك" يقول ترّو إنه "جعل الجمهور يشاهد خمسة أنواع من الدبكات اللبنانية، من البعلبكية، إلى الفولكلور الرحباني المسرحيّ فترة "الفرقة الشعبية اللبنانية"، وفرقتَي "فهد العبدالله" و "كركلا" من فترة التسعينات حتى الالفين، وبعد ذلك جاء فيلم "البوسطة" للمخرج فيليب عرقتنجي الذي قدّم فيه فكرة "دبكة فيوجن"، لتنتشر بعد ذلك فرق "زفة العروس" في الأفراح والمناسبات".

وهنا يستطرد ترّو لافتًا إلى أن "فرقة الدبكة ليست طبلًا وزمرًا، إنما اجتماع اللبنانيين وشبك أيديهم على الدبكة. لذلك أفدنا من البرنامج لتقديم لوحات من الأرشيف اللبناني للأجيال الجديدة بهدف صون التراث. وطموحنا أن نكون المرجع لأيّ رقصة يرغب أيّ شخص بإعادة تقديمها، فكيف الحال بقناة مثل "mtv" تتولّى اليوم هذه المهمّة الكبيرة، وتجعلنا نحرص حتى على انتقاء الكلمة التي نقولها بعد كلّ عرض لتصل معانيها إلى جميع اللبنانيّين بكل دقّة".


شيوخ وشمس

وكما في جبل لبنان كذلك في بعلبك. هناك تحظى فرقتا "شيوخ الدبكة البعلبكيّة" و "شمس بعلبك" بالتأييد الشعبي والدعم من أبناء المنطقة وفاعليّاتها. 

رئيس فرقة "شيوخ الدبكة البعلبكيّة" ياسر الشمالي روى لمندوب "نداء الوطن" عيسى يحيى أن الفرقة التي اختارت اسمها "وفاءً لشيوخ الدبكة القدامى الذين لم يبقَ منهم أحد، أسسناها منذ سنتَين في زمن الحرب الإسرائيليّة على لبنان. عانينا كثيرًا ولا نزال". وأشار الشمالي إلى أن "ما يميّز دبكتنا هو حفاظنا على التراث البعلبكي الأصيل، فلا نُدخل عليه أيّ حركة غير تراثية بعلبكية، وما يميّزنا أيضًا اللباس التراثي البعلبكي القديم".

وهكذا انتقلت خطوات الدبكة من جيل إلى آخر حتى بلغت أعضاء فرقة "الشيوخ". هي إذًا حالة مستمرة، لأن "الدبكة رسالة محبّة وفرح وسلام من الأرض التي نعيش فيها، ويعنينا الحفاظ على تراث أجدادنا الذهب العتيق. والدبكة ما زالت تحافظ على هويتها ولا يمكن لأحد أن يلغيها"، كما يقول ياسر الشمالي.

لكن ماذا عن الإضافة التي قدمها برنامج "Let's Dabke - يلا ندبك" للفرق المشاركة؟ يجيب الشمالي أن "مهما قيل عن البرنامج يبقى قليلًا، فنحن كنا معروفين على صعيد بعلبك وبعض المناطق، أما اليوم فبفضل قناة "mtv" التي أصبحت الأم الحنونة ووضعتنا تحت جناحَيها، وصلنا إلى العالمية ولها فضل كبير على كل الفرق".

عن حلم "فرقة شيوخ الدبكة البعلبكيّة" بعد البرنامج، يقول الشمالي إن الحلم تحقق من خلال البرنامج الذي جعلنا نتلقى عروض عمل كثيرة، مؤكدًا أن "الجمهور الذي يصوّت لنا هو الداعم الأساسي، فلا دعم ماديًا أو معنويًا أو سياسيًا لنا من أحد، وما أقوم به هو مجهود شخصي". وفي رسالة إلى الجيل الجديد، يطالبه ياسر الشمالي "بالحفاظ على التراثَين البعلبكي واللبناني، والتقيّد بالخطوات التي تميّز هذا التراث الراقص وما فيها من انضباط في الحركات والثقل".

"فرقة شمس بعلبك" تأسّست من جهتها عام 2020، وتضم شبّانًا وشابات من بعلبك. تهدف إلى نشر التراث وإحياء المناسبات العامة والخاصة. رئيس "فرقة شمس بعلبك" علي صلح  يقول لـ "نداء الوطن" إن "دبكتنا وُلدت معنا بالفطرة. فهناك نوعان من "الدبّيكة": نوع يولد "دبّيكًا" منذ صغره، وآخر يتعلّم هذه الرقصة. ونحن منذ صغرنا كأبناء حيّ آل صلح معروفين بدبكتنا". يوضح صلح أن الفرقة تستمد دبكتها من الكبار الذين مرّوا في تاريخ بعلبك وحيّ آل صلح: "كنا نستلهم منهم الخطوات ونراقبهم في كل مناسبة، ونحن مستمرون في ذلك، فالدبكة اليوم بالنسبة لنا هي الهويّة، وخبطة الأرجل مرتبطة بالتمسك بالأرض".

في بعلبك أكثر من عشر فرق ما زالت تحافظ على هذه الرقصة الوطنية، وما يميز أعضاء فرقة "شمس بعلبك" على ما يقول علي صلح، أن "أهلنا دبّيكة ولا نزال نحافظ عليها. لكن برنامج "Let's Dabke - يلا ندبك" وقناة "mtv" منحانا الشهرة وعرّفا المشاهدين على الدبكة البعلبكية من لبنان إلى العالم". في المقابل يقول صلح إن البرنامج التلفزيوني الشهير عرّف الفرقة "على فرق جديدة وثقافات جديدة، وعلى مدرّبين ساهموا في تطوير حركاتنا لنحافظ فيها على خطواتنا الأساسية".

يبقى بالنسبة لِعلي صلح أن "العالمية هدف الفرقة"، مؤكدًا أن "أهلنا في بعلبك هم الداعم الأساسي على الصعيد المعنوي وعلى صعيد التصويت وغير ذلك. أما على الصعيد المهني فكبار السن الذين يتابعوننا هم من أبرز الداعمين، ناهيك عن داعمينا على الصعيد المادي". وتوجّه علي صلح برسالة للجيل الجديد داعيًا إياهم للحفاظ على التراث، فمن لا قديم له، لا جديد له، و "حتى تحقق حلمك عليك المثابرة والإلتزام والإصرار، وتقديم الصورة الحلوة عن بعلبك".

حلقتان إذًا من "Let's Dabke - يلا ندبك" تفصلنا عن تتويج الفرقة الفائزة. فبين: "العبادية" و "جذور" و "شيوخ الدبكة البعلبكبّة" و "برجا" و "شمس بعلبك" مع من سيدبك اللبنانيون ليلة 15 شباط؟