شكّلت لوحة "قهوة في طريق المدينة" للفنانة السعودية الراحلة صفية بن زقر، نقطة فاصلة في تاريخ الفن التشكيلي بالمملكة العربية السعودية، بعدما بيعت أخيرًا مقابل 2.1 مليون دولار أميركي في مزاد عالمي نظمته دار "Sotheby’s" ضمن فعاليات الدرعية التاريخية. واللوحة المنجزة عام 1968، توثق الحياة الاجتماعية في مدينة جدّة منتصف القرن العشرين.
منظم المعارض التشكيليّة وعضو "الجمعية السعودية للفن التشكيلي" عادل المقبل، يصف هذه اللوحة بكونها عملًا تاريخيًّا وفنيًّا لن ينساه الوسط الفني، ويقول إنها تستحق الرقم القياسي الذي بيعت به، مؤكدًا أن الفنانة الراحلة صفية بن زقر تركت بصمة قوية في المجال، إذ أسهمت أعمالها قبل رحيلها وبعده، في تعزيز قيمة الفن التشكيلي السعودي، وإثبات قدرته على المنافسة العالمية والانخراط في الاستثمار الجاد.
وفي حديث مع "نداء الوطن" أشار المقبل إلى أن "العديد من اللوحات التشكيلية في المملكة، مؤهَّلة لدخول المزادات العالمية وتحقيق قيَم مهمة تعكس جودة الإنتاج المحلي".
اقتناء وارتفاع مبيعات
من جهة أخرى، يشير المقبل إلى أن الفن التشكيلي في المملكة السعودية أصبح جزءًا أساسيًا من المشهد الثقافي العام ويشهد حراكًا متصاعدًا ومشجعًا، خصوصًا من ناحية الاستثمار، رغم كونه لا يزال في مرحلة البدايات، موضحًا أن حركة الاقتناء عرفت طفرة واضحة، حيث انتقل المهتمون من اقتناء محدود لا يتجاوز اللوحتَين أو الثلاث، إلى اقتناء ما بين 12 و16 لوحة في المعارض الشخصية، الأمر الذي عكس، على حد قوله، نموّ وعي المقتنين وثقتهم بالفن المحلي.
وتابع شارحًا أن مقتني اللوحات هم في الغالب شخصيّات محبّة للفن تعمل بشكل فرديّ، حيث يقتني بعضهم تلك الأعمال لأغراض شخصية وزخرفيّة، فيما يركّز آخرون على الاستثمار بالاسم الفني والقيمة المستقبلية للوحة. لكن المقبل يشدّد على أن الشخصيات الاعتبارية، من رجال أعمال ومؤسسات وشخصيات عامة مؤثرة، تلعب دورًا محوريًا في تحفيز السوق الفني السعودي، إذ إن اقتناءهم الأعمال الفنية يرفع قيمتها ويمنحها مكانة استثمارية حقيقية. لكنه في المقابل، يأسف لغياب معارض خاصة بالمقتنين في المملكة والعالم العربي، كما يحدث في الغرب، حيث تسهم هذه المعارض في نموّ حركة الفن وتعزيز الاستثمار. لذلك يرى المقبل أن تشجيع الشخصيات الاعتبارية على المشاركة في المعارض الخاصة وربطها بسوق متكامل، سيخلق بيئة استثمارية حقيقية ويزيد من حركة السوق، ويحفز الفنانين، ويمنح الفن السعودي حضورًا أقوى على المستوى العالمي.
ولفت المقبل إلى أن الدعم الذي حظي به الفن التشكيلي، أسهَمَ في ترسيخ الحراك الفني في السعوجية عبر بناء بيئة مستدامة تحتضن الفنانين والجمهور معًا. وأشار إلى الدَّور المحوريّ الذي تؤديه "الجمعية السعودية للفنون التشكيلية" التي ترأسها الدكتورة هناء الشبلي، والعاملة تحت مظلة وزارة الثقافة السعودية، إذ تمتد أنشطة الجمعية عبر 19 فرعًا في 19 مدينة سعودية، وقد قدّمت ورشًا تدريبية وبرامج فنية مجانية لأعضائها، ما أتاح للفنانين عرض أعمالهم ضمن إطار منظم، وقرّب الجمهور والمقتنين من التجربة الفنية المحلية.
التسويق والتوثيق
يشير عادل المقبل، منظم المعارض التشكيلية، إلى أن التسويق الفني لا يزال بحاجة إلى تطوير رغم وفرة الإنتاج، موضحًا أن توفر "بروفايل" كامل لكلّ لوحة يشمل: وصف العمل، طريقة تنفيذه، المقاس، واسمها باللغتين العربية والإنكليزية، يسهّل تسويقها وانتشارها بين الجمهور والمقتنين.
في المقابل، يعتبر المقبل التوثيق الرسمي ضروريًا لحماية القيمة التاريخية والفنية للعمل، عبر بطاقة تشمل اسم الفنان، معلومات حول اللوحة، المقتنين، وانتقال الملكية، إضافة إلى شهادة أصالة تصدرها الجهة المنظمة للمعرض.
وإذ يؤكد المقبل أن اللوحات جزء من الإرث الثقافي الوطني، يرى بالتالي أنه ينبغي عدم إخراجها من المملكة أو الوطن العربي من دون توثيق رسمي، إذ يُنظر إليها قبل كل شيء كاستثمار ثقافي يمثل ذاكرة جماعية وقيمة فنية، حتى لو اقتنيت لأغراض شخصية أو تزيينية، بينما تتفاوت أسعارها حسب قيمة الفنان والعمل وتاريخه، بدءًا من 250 دولارًا ووصولًا إلى آلاف الدولارات من دون سقف محدد.
ويوضح المقبل أيضًا أن تاريخ اللوحة ومشاركاتها في المعارض المحلية والدولية، يمثلان عاملَين رئيسيَّين في تحديد قيمتها، فكلما شاركت اللوحة في عدد أكبر من المعارض، ارتفعت أهميتها السوقية والفنية. كذلك تلعب سنة الإنجاز وحالة الفنان دورًا حاسمًا، إذ يمكن أن تصل أسعار الأعمال الفنية، بعد وفاة الفنان، إلى مستويات فلكية، خصوصًا إذا كان اسمه مرموقًا في الوسط الفني. ويختم المقبل بالإشارة إلى أن انتقال اللوحة بين مقتنين معروفين، وخصوصًا الشخصيات الاعتبارية، يعزز قيمتها، إذ يشكّل هذا التبادل شراكة حقيقية بين الاستثمار والفن، ويمنح العمل بعدًا ثقافيًا وسوقيًا في الوقت ذاته.

