لا يمكن قراءة وثائق جيفري إبستين بوصفها فضيحة معزولة أو انحرافًا فرديًا، بل كنموذج فجّ لمنظومة أوسع تتجلّى محليًا بأشكال مختلفة. من أبرز هذه النماذج ما أقدم عليه مؤخرًا المستشار السابق لرئيس الجمهورية السابق ميشال عون، المهندس فوزي مشلب، عبر محاولة منهجية خبيثة لتشويه صورة لبنان خارجيًا، بهدف وقف استيراد الفيول ودفع البلاد إلى شفير العتمة الشاملة، لا لسبب سوى عرقلة وزير طاقة يختلف معه سياسيًا.
لم يتوقف الأمر عند الفعل نفسه، بل تجاوزه الى ما هو أخطر: حملة منظمة أُطلقت عبر منابر إعلامية ومنصّات التواصل الاجتماعي، قادها ما يُعرف بـ«الذباب الإلكتروني»، سعت إلى قلب الوقائع، وتقديم مشلب كضحية أو «حالة ملتبسة» تستحق التعاطف لا المساءلة. في هذا السياق، لم تعد الجريمة محور النقاش، بل القدرة على إعادة صياغتها، تفريغها من بعدها الأخلاقي، وتحويلها إلى رواية بديلة تُدار بأدوات المال والنفوذ والإعلام.
ما يجمع بين وثائق إبستين وقصة مشلب هو محاولة تحويل الجريمة إلى «قضية رأي عام» قابلة للتأويل، ثم إلى سردية مخفّفة للمسؤولية، وصولًا إلى تسخيف الجريمة نفسها. هنا لا يُستخدم المال والإعلام كوسيلة دفاع فحسب، بل كسلاح هجومي لقلب المعادلة، ونقل المرتكب من موقع المساءلة إلى موقع المظلومية.
الحملة التي دعمت فوزي مشلب لم تكن عفوية ولا بريئة، ولم تنطلق من نقاش أخلاقي أو حرص على الحقيقة، بل جاءت في إطار حملة إعلامية مدروسة ومموّلة بسخاء، هدفت إلى تسخير العلاقات السياسية وتوظيف الإعلام، عبر استخدام لغة شعبوية لإقناع الناس بأن المشكلة ليست في الجريمة المرتكبة بحق لبنان، دولةً وشعبًا، بل في ما يُقدَّم على أنه «كيدية سياسية». وهو المنطق نفسه الذي تكشفه وثائق إبستين، حيث يُعاد تعريف الجريمة وفق ميزان القوة، لا وفق القانون أو القيم.
الأخطر في هذه الحملات أنها لا تهدف فقط إلى حماية شخص، بل إلى ترسيخ سابقة خطيرة: أن المال قادر على شراء الضمائر وإعادة كتابة السرديات، وأن النفوذ يستطيع تفريغ أي انتهاك من معناه، متى جرى تغليفه بخطاب عاطفي وتسويقه عبر حملة إعلامية مدروسة. عندها، تتحوّل القضية من فعل إجرامي واضح ومستنكَر ويستحق أشد العقاب، إلى اختبار أخلاقي للمجتمع بأسره.
في الحالتين، نحن أمام منطق مرضي واحد: منطق يفترض أن امتلاك المال أو العلاقات أو أدوات الدعاية يمنح صاحبه حق تجاوز الخطوط الحمراء وانتهاك حقوق الآخرين بلا حسيب أو رقيب. منطق يراهن على تعب الناس، هشاشة الذاكرة العامة، واستعداد جزء من المجتمع للتكيّف مع الظلم إذا قُدِّم له بلهجة ناعمة أو تحت غطاء «إنساني» زائف.
من إبستين إلى فوزي مشلب، تتكرّر القصة نفسها بأسماء مختلفة: السياسة حين تنفصل عن الأخلاق، والمال حين يتحوّل من أداة إلى مرجعية، والإعلام حين يصبح وسيلة خبيثة في خدمة الجريمة. عندها تتحقّق نبوءة الفيلسوف الكندي آلان دونو، وتتحوّل من تشخيص فكري إلى واقع ملموس: «إنّ التافهين قد حسموا المعركة لصالحهم في هذه الأيام. لقد تغيّر الزمن… التافهون أمسكوا بكلّ شيء، بكلّ تفاهتهم وفسادهم».
في «زمن التفاهة»، يُدفع المجتمع ببطء مدروس إلى التعايش مع الفساد بوصفه قدرًا لا مفرّ منه. وحين تصبح التفاهة هي المعيار، يجد الناس أنفسهم يُساقون إلى الوهم بأقدامهم، تمامًا كما تُساق الأغنام إلى المسلخ، وهي تظنّ أنها تمضي نحو الخلاص.