سناء الجاك

الشاطر لا يموت

3 دقائق للقراءة

في مؤتمر ما قبل سنوات، تحدث صحافي استقصائي عن تجربته في فضح فساد "رئيس التيار الوطني الحر" جبران باسيل بشأن ملف يتعلق بصفقات الكهرباء، بالوثائق والأدلة عبر وسيلته الإعلامية، ما دفع باسيل في حينه إلى رفع دعوى قضائية ضده.

بالطبع باسيل خسر الدعوى، لكن القاضي الذي حكم لصالح الصحافي، لم يتابع القضية أو يحيلها إلى حيث يجب لتتم محاسبة الفاسد، بصفتها إخبارًا لا يقبل الدحض.

أيضًا، لم تنتهِ التحقيقات إلى إدانة أي فاسد مرتبط بفضيحة الفيول المغشوش في إطار صفقة مشبوهة متعلقة بأحد فروع مجمع الشركة الجزائرية "سوناطراك بتروليوم" التي تولت منذ العام 2005 تأمين ما تحتاج إليه مؤسسة كهرباء لبنان من فيول ومازوت بموجب عقود تبرمها وزارة الطاقة. وذلك بالرغم من توفر الأدلة والبراهين على تورّط مبرمي الصفقة في الفضيحة.

وبمعزل عن الأدلة، وفي دردشة مع مسؤول إقليمي لشركة عالمية تعمل في مجال الطاقة، أوضح المسؤول أن وزراء الطاقة "العونيين" المتعاقبين، لم يكونوا إلا خيال ظل لباسيل بصفته الوزير الفعلي، الذي يجتمع مع المسؤول وليس الوزراء، ليرفض أي اتفاق كفيل بتأمين الطاقة للبنان مقابل أربعة مليارات دولار وعلى امتداد أربع سنوات، يتمكن لبنان في نهايتها من بيع الكهرباء بعد تأمين التيار 24/24 ساعة، وبكلفة أقل مما هي عليه في العهد الجبراني الميمون.

ولا تنتهي الأمثلة والأدلة التي لم تحل دون هذه الثقة المفرطة بالنزاهة لدى باسيل، ليعتبر الـ 24 مليار دولار، أو الـ 22.7 مليار دولار، توخيًا للشفافية والدقة  دعمًا وليس هدرًا... وأن البواخر الكهربائية، التي اشترط على المسؤول الإقليمي بقاءها في أي عقد ممكن مع الشركة العالمية، وفرت على الدولة كلفة الكهرباء مقارنة بالمولدات الكهربائية أو الاستيراد من الخارج، مع أن لا حاجة فعلية إليها.

وكل هذه الوقائع الواقعة ليست دليلًا على السرقة والنهب، ولن تكون، ما دامت التركيبة على حالها في بلد الإشعاع والنور، حيث يتبرأ المسؤولون عن 22.7 مليار دولار من مسؤوليتهم مقابل أغلى تكلفة لا توفر طاقة مستدامة ومتواصلة وعلى مدار الساعة للناس، وحيث تتم بشفافية مطلقة، المحاصصة في كل عملية نهب للمال العام بين من يخرجون إلى الإعلام ويتهمون بعضهم البعض بأنهم بلطجية، عندما يستلزم شد العصب الانتخابي ذلك، ويراهنون على أن النسيان هو السمة الغالبة لدى الجماعات على أسس الطائفية والغرائزية والانتفاع.

ولا عجب، فالشاطر لا يموت في لبنان. والفساد ليس تهمة تستدعي المحاسبة والعقاب. هو في صلب الفولكلور المتوجب توفره لاستكمال صورة الزعيم الذي لا يُحرق ولا يُغرق بسبب مثل هذه التفاصيل الهامشية في مسيرة الكبار الرامين إلى امتلاك القوة والسلطة والنفوذ ليتمكنوا من السيطرة على ساحاتهم وجماعاتهم، فيأكلون خيرات البلد ويطعمون من يواليهم. ونيال من فاد واستفاد.