في لحظات التحوّل الكبرى، لا تقاس السياسة بما يقال في السّرّ، بل بما يقال في العلن داخل البيئات التي اعتادت خطابًا واحدًا وخيارًا واحدًا. هناك تتشكّل معارضة من نوع مختلف، معارضة لا تولد من الفراغ ولا من الخصومة، بل من تراكم الأسئلة والخيبات، ومن شعور متزايد أن الاستمرار في النهج نفسه، لم يقدّم إجابات كافية، بقدر ما كان تمثيلًا يعاد إنتاجه من دون مساءلة.
ضمن هذا المشهد، يبرز علي صبري حمادة، أحد أبرز الوجوه المعارضة ضمن البيئة الشيعية، التي تنطلق من خلفية سياسية لها تاريخها داخل الحياة العامة اللبنانية. ولأن حضوره لا يندرج في حالة طارئة أو كصوت من خارج السياق، بل كامتداد لمسار سياسيّ، يعرف توازنات لبنان والبيئة الشيعية، ويقرأ تحوّلاتها من الداخل. ومن هذا الواقع، يطرح حمادة مقاربة نقديّة للأداء السياسيّ السائد، ويقرأ في المرحلة المقبلة وتحوّلاتها.
وفي حديث لـ "نداء الوطن"، أكد علي صبري حمادة أن المعارضة الشيعية في لبنان وبعلبك الهرمل ليست موجّهة ضد "حزب اللّه" وحركة "أمل" شخصيًا، بل تتشكّل من شخصيات شيعية مستقلّة خارج إطار الحزبين، تحمل آراء سياسية تسعى لأن تكون وازنة ومستقلّة عن الأداء التقليديّ. وأضاف أن الفشل السياسي لـ "الثنائي" يفسّر حجم المعارضة الشعبي الكبير، موضحًا أن الناس أحرار في التفكير، ولكن العمل السياسي الذي يقود إلى الدّمار والكوارث يجعل الاعتراض طبيعيًا ومشروعًا.
وعن أسباب المعارضة، أوضح حمادة أن المعارضة ليست لفكرة، بل هي اعتراض على الأداء السياسي لـ "الثنائي" في الدولة والمجتمع، مؤكدًا أن أيّ شخص يعمل في السياسة يجب أن يكون مسؤولًا عن عواقب تصرّفاته، وإذا أدّت هذه الأفعال إلى كوارث، فمن الطبيعيّ أن تُثار الانتقادات.
وفي ما يخصّ المسار الطويل للمعارضة الشيعية، قال حمادة إن المعارضة ليست حزبًا ببرنامج موحّد، لكنها تتفق على ضرورة بناء الدولة ومؤسّساتها. وأضاف: "فكرة الدولة ليست وليدة اليوم، بل هي مسار طويل منذ مئات السنين، وقد وصلت البيئة الشيعية إلى مرحلة تتطلّب إدارة أمورها ضمن مؤسّسات الدولة، بما يضمن مشاركة الجميع واحترام القانون". وأكّد أن الشخصيّات الشيعية المستقلّة تنشد أن يكون السلاح تحت سلطة الدولة الشرعية فقط، بحيث لا يكون هناك أي حاجز أمام المؤسّسات في أداء دورها.
وأشار حمادة إلى أن المعارضة الشيعيّة تتعرّض لضغوط متعدّدة، من تهديد جسديّ ونفسيّ وعائليّ وماليّ، وهي أساليب اعتادها "الثنائي" لقمع الآراء المختلفة داخل البيئة الشيعيّة. ومع ذلك، شدّد على أن المعارضة الجدية تصمد أمام هذه الضغوط، وتواصل فرض رأيها والدفاع عن موقفها، مؤكّدًا أن هذه هي المعارضة الحقيقية التي يمكن أن تمثل الطائفة بشكل مسؤول.
وبالنسبة لاستعداد المعارضة لتقديم نفسها كبديل ضمن البيئة الشيعية، اعتبر حمادة أن فشل "حزب اللّه" وحركة "أمل" يوفر فرصة لإبراز إمكانات الطائفة الشيعية في المجالات العلمية والثقافية وغيرها، مضيفًا أن كل شخص من موقعه يستطيع أن يساهم في بناء البلد والدولة.
وحول السلاح، رأى حمادة أنه أصبح عبئًا على الطائفة الشيعيّة ولبنان ككلّ، موضحًا أن الشعارات التي طرحها "الثنائي" مثل "نحمي ونبني" و "الرعب المتبادل" فشلت في الواقع، وأصبحت تؤدّي إلى توريط البيئة في متاهات لا يمكن حلّها بسهولة. وأضاف أن الحلّ يكمن في وضع السلاح تحت راية الدولة، ليكون جزءًا من مفاوضات الدولة مع العدوّ الإسرائيلي، بدلًا من أن يكون أداة مستقلّة لدى "الحزب".
أمّا عن أسباب عدم نجاح المعارضة في الوصول إلى البرلمان حتى الآن، فقال حمادة إن الظروف قبل عام 2022 لم تكن مواتية، مشيرًا إلى أن الانتخابات كانت تجرى ضد "ثنائي" مموّل دوليًا، ومسيطر على كلّ مؤسسات الدولة، ما جعل المنافسة الانتخابية غير متكافئة. وأضاف أن المال ودعم الموظفين الذين يتبعون "الثنائي" أدّيا دورًا مهمًا في هذه المعادلة، مؤكدًا أن من غير المنطقيّ توقع تكافؤ فرص بين المعارضة و "الثنائي".
وفي ما يخص نتائج الانتخابات البلدية والاختيارية الأخيرة، وصف حمادة النتائج بالمؤسفة لصالح "الثنائي"، مشيرًا إلى أن عامل الخوف النفسي بعد العدوان والدّمار، وغياب طرف سياسي يحرّك التنافس، ساهما في فوز "حزب اللّه" وحركة "أمل" في مناطق مثل بعلبك والهرمل.
وحول علاقات المعارضة بالقوى السنية والمسيحية في المنطقة، شدّد حمادة على أن أيّ معارضة، حتى لو كانت شيعية، تعمل ضمن إطار وطنيّ، مشيرًا إلى أن التواصل مع القوى السنية والمسيحية مكثف، وأن المشاريع المذهبية أثبتت فشلها وورّطت البلد في صراعات دمويّة.
واختتم حمادة حديثه برسالة لأبناء الطائفة الشيعية، قائلًا: "أنتم جزء من هذا البلد، وهمومكم مثل هموم باقي الطوائف. أرجو أن تحكّموا عقولكم، وتقيّموا الأداء السياسي في البيئة الشيعية، وتضعوا أيديكم مع من يسعى لإنقاذ البلد، لنصل إلى بر الأمان، بعيدًا من الطريق المسدود الذي يسلكه الثنائي".