باريس
في ختام تقديم زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إلى لبنان، سأل صحافي أحد أعضاء الفريق الرسمي الذي قدّم الزيارة عما إذا كان لفرنسا موقف غير علني من أداء السلطة في لبنان، ومسار تنفيذ القرارات والإجراءات التي تلبي المعايير الطبيعية لتدفق المساعدات فأجاب بكلام غير مخصص للنشر: "إذا ضعفت صورة السلطة، يصبح الدفاع عنها أصعب".
لم تكن الزيارة التي قام بها قائد الجيش اللبناني إلى الولايات المتحدة الأميركية مجرّد محطة لزيارة مؤجلة ضمن روزنامة علاقات عسكرية قائمة منذ سنوات، بل اختبارًا سياسيًا كثيفًا لقدرة الدولة اللبنانية على تقديم رواية متماسكة عن نفسها: من يحكم؟ من يقرر الحرب والسلم؟ ومن يملك السلاح الفعلي على الأرض؟ في واشنطن، هذه الأسئلة ليست نظرية، بل مفاتيح لأي دولار دعم، وأي غطاء دبلوماسي، وأي دفاع عن لبنان في المحافل الدولية.
الرهان الأميركي التقليدي كان دائمًا على المؤسسة العسكرية بوصفها العمود الأخير في هيكل دولة يتداعى. غير أن هذا الرهان يصبح هشًا عندما لا تواكبه سلطة سياسية تقول بوضوح إنها المرجعية الوحيدة. المشكلة ليست في معرفة الأميركيين بتعقيدات الداخل اللبناني؛ هم يعرفونها جيدًا. المشكلة أنهم باتوا يسمعون منذ سنوات اللغة نفسها: عبارات مطاطة، ووعود مؤجلة، وتسويات لا تنتهي، يبدو أنها لم تأخذ عمليًا في الاعتبار النتائج التي أفرزتها عملية "طوفان الاقصى" فيما الوقائع الميدانية تبقى على حالها، وفي مقدمها معادلة سلاح "حزب الله".
الثقة الدولية تحت الاختبار
في اللقاءات السياسية، لا يبحث المسؤولون الأميركيون عن خطابات عاطفية، بل عن اتجاه. هل هناك قرار فعلي في بناء احتكار الدولة للقوة؟ أم أن الأمر سيبقى شعارًا نظريًا يُستخدم لامتصاص الضغوط الخارجية، فيما يستمر التعايش الداخلي مع موازين قوى موازية؟ حين لا يكون الجواب حاسمًا، تبدأ الثقة بالتآكل. ببطء، لكن بثبات.
من المستحن قراءة الاحتكاك الذي برز مع السيناتور Lindsey Graham من هذا المنظار. الرجل لا يمثل الإدارة التنفيذية وحده، لكنه يعكس مزاج شريحة نافذة داخل المؤسسة التشريعية تعتبر أن الوقت نفد، وأن سياسة "الانتظار إلى أن تنضج الظروف اللبنانية" لم تعد مقنعة. بالنسبة لهؤلاء، أي تردد يبدو تواطؤاً، وأي دبلوماسية زائدة تبدو تهربًا.
قد يقال إن قائد الجيش لا يستطيع القفز فوق الواقع الداخلي، وهذا صحيح. لكن ما يهم العواصم الداعمة ليس حدود القدرة فحسب، بل وضوح النية أيضًا. وعندما تبدو النية نفسها محاطة بالضباب، يصبح الدفاع عن استمرار الدعم مهمة أصعب سياسيًا داخل واشنطن وربما في عواصم أخرى .
لغة الضباب وحدود الصبر
التبعات السلبية هنا لا تظهر فورًا على شكل قرار بقطع المساعدات. الدول لا تعمل بردود الفعل السريعة. ما يحدث هو شيء أخطر: إعادة تقييم باردة. أسئلة حول الجدوى، تشدد أكبر في الشروط، رقابة أضيق. وحماسة أقل عند الحاجة إلى خوض معارك دبلوماسية لحماية لبنان أو مؤسساته.
هذا المناخ ينعكس مباشرة على أي جهد دولي لاحق، بما في ذلك مؤتمر دعم الجيش المرتقب في باريس. قد لا يُلغى، قد لا يؤجل. لكن السقف السياسي فوقه قد ينخفض. المساهمات قد تُربط برسائل أوضح. والاندفاعة التي كانت تقوم على فكرة "إنقاذ ما تبقى من الدولة" قد تتحول إلى مقاربة أكثر حذرًا عنوانها: "لن نمول إدارة الأزمة إلى ما لا نهاية".
مهمة أصعب للدبلوماسية الفرنسية
من هنا أيضًا يمكن فهم حركة الدبلوماسية الفرنسية، وآخرها زيارة وزير الخارجية جان نويل بارو. باريس تريد الحفاظ على المؤسسات، لكنها تحتاج إلى شريك يستطيع أن يبرر لها هذا الدفاع. كلما بدا القرار الرسمي موزعًا بين الدولة وغير الدولة، تصبح مهمة فرنسا في إقناع شركائها أكثر تعقيدًا.
جوهر المسألة في النهاية بسيط وقاسٍ في آن: لا يمكن لدولة أن تطلب من العالم دعم سلطتها فيما هي نفسها تتجنب ممارسة هذه السلطة بشكل كامل. المجتمع الدولي قد يتفهم المراحل الانتقالية، لكنه لا يتفهم الغموض الدائم. التسويات المرحلية قد تمنع الانفجار، لكنها لا تبني دولة، ولا تطمئن ممولًا، ولا تقنع مشرّعًا أجنبيًا بأن أمواله تخدم مشروعًا سياديًا واضح المعالم.
الاستمرار في تدوير الزوايا يمنح الجميع وقتًا، لكنه يسحب من رصيد الثقة. وعندما ينفد هذا الرصيد، لن يكون السؤال من أخطأ في جواب هنا أو هناك، بل لماذا لم يُحسم الخيار يوم كان ممكنًا.