عكست زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إلى سوريا والعراق الأسبوع الماضي، تحت عنوان "محاربة الإرهاب الإسلامي"، القلق الذي ينتاب الدول الغربية من احتمال أن يعزز تنظيم "الدولة الإسلامية" الإرهابي قدراته في البلدين إثر خسارة "قسد" سيطرتها على مناطق شاسعة من شمال شرق سوريا، التي لطالما اعتبرت موطئ قدم رئيسي للتنظيم. يسعى الغرب إلى الحفاظ على المكاسب المحققة في البلدين من قبل "التحالف الدولي" ضدّ "داعش"، ما يجعل من مهمة منعه من استعادة السيطرة على أراض فيهما هدفًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، بالتوازي مع استكمال محاربته في الدول الأخرى التي ينشط فيها. رغم الهزائم العسكرية العديدة التي تعرض لها "داعش" منذ نشأة "التحالف الدولي"، لا يزال موجودًا في عدد كبير من الدول حول العالم، بنسب متفاوتة من القوة، بسبب منطلقاته الأيديولوجية وشكله التنظيمي اللامركزي، كما أن قدرته على نشر البروباغندا الخاصة به ما زالت تنتج حتى اليوم "ذئابًا منفردين" يصعب على أي نظام أمن وقائي في العالم رصدهم قبل اقترافهم الأعمال الإرهابية.
نجح "التحالف الدولي" في تحويل التنظيم في سوريا والعراق من قوة قادرة على السيطرة على أراض شاسعة وإدارة مناطق، إلى خلايا قليلة الفعالية موزعة بين البلدين. غير أن المعركة بين "قسد" وقوات دمشق وما أعقبها من اتفاق أعطى لدمشق السيطرة على أراض شاسعة في شمال شرق البلاد، من ضمنها سجون مقاتلي "داعش" وعائلاتهم، أثار مخاوف جدية في الغرب من أن يستفيد التنظيم من حال الاضطراب لإعادة تعزيز نفوذه في المنطقة، خصوصًا في حال فرّ معتقلو التنظيم من السجون وفشلت الحكومة السورية لسبب أو لآخر في ملء الفراغ الذي تركته "قسد".
لذلك، سارعت واشنطن إلى عقد اتفاق مع بغداد يقضي بنقل 7000 معتقل "داعشي" من السجون التي كانت تحت سيطرة "قسد" في سوريا إلى العراق، ما عكس قلة ثقة أميركا في قدرة الحكومة السورية على إدارة سجون "قسد"، خصوصًا إثر هجوم أسفر عن مقتل جنديين ومترجم أميركيين في تدمر في كانون الأول الماضي على يد عضو في قوات دمشق تبيّن أنه ينتمي إلى "داعش". بعد الهجوم، شنت واشنطن سلسلة من الضربات على أهداف للتنظيم في سوريا ضمن عملية أسمتها "عين الصقر"، كان آخرها في الفترة ما بين 27 كانون الثاني والثاني من الحالي، حسبما أعلنت القيادة المركزية الأميركية الأربعاء الماضي، موضحة أنه بعد حوالى شهرين من العمليات الموجهة، جرى تحييد أو اعتقال أكثر من 50 إرهابيًا من "داعش".
انضمّت الحكومة السورية إلى "التحالف الدولي"، وأشادت واشنطن مرارًا بتعاون السلطات السورية معها في جهود مكافحة "داعش"، غير أن الجيش السوري لا يزل يضم عناصر متطرفة متعاطفة مع التنظيم وأفكاره، كما بيّن هجوم تدمر وأحداث الساحل والسويداء والمعارك الأخيرة مع "قسد". لذلك من المرجّح أن تستمر واشنطن وحلفاؤها في اتخاذ التدابير اللازمة، بما في ذلك العمليات العسكرية، لمنع استغلال "داعش" أي حال من الاضطراب أو الفراغ الأمني في سوريا لإعادة تكوين قدرته على فتح معسكرات تدريب تخرّج الإرهابيين الذين سيسعون إلى تنفيذ أجنداتهم الجهادية في سوريا والعالم. كما أنه من المتوقع أن يستمر الضغط الأميركي - الأوروبي على دمشق لتطهير قواتها من العناصر المتطرفة التي تمنع أن تكون "سوريا الجديدة" شريكًا موثوقًا في مكافحة الإرهاب.
لا ينحصر وجود "داعش" في سوريا والعراق، بل بات لديه وجود في عدد من المناطق في العالم، خصوصًا في أفريقيا ووسط آسيا وجنوبها وشرقها. يمتلك التنظيم سلطة مركزية متمثلة بـ "الخليفة" ومجلس الشورى بشكل رئيسي، لكن لديه أيضًا فروع كثيرة تسمى بـ "الولايات". وتحظى الفروع بدرجة مهمة من الاستقلال عن السلطة المركزية للتنظيم، بشكل يسمح لكل "ولاية" أن تطبّق مبادئ التنظيم وأهدافه مع مراعاة ظروفها وقدراتها. تعتبر فروع التنظيم في الصومال ومنطقة الساحل الأفريقي أكثر الفروع قوة وقدرة على السيطرة على أراضٍ بسبب حال عدم الاستقرار الأمني والسياسي، وسهولة تجنيد عدد كبير من المقاتلين الشباب. وأكد قائد القيادة الأميركية الأفريقية الجنرال مايكل لانغلي في حزيران الماضي أن "داعش" يسيطر على تنظيمه الدولي من الصومال، حاسمًا أن "أفريقيا تظلّ ساحة محورية لا تستطيع أميركا أن تصرف نظرها عنها".
توازيًا، تمكن فرع التنظيم في أفغانستان المسمى "ولاية خراسان" من تنفيذ عدد من الهجمات الدموية في أفغانستان وباكستان، لكنه استطاع أيضًا تصدير نشاطاته الإرهابية خارج البلدين، إذ نفذ الفرع في كانون الثاني 2024 تفجيرين متزامنين في إيران استهدفا موكبًا تأبينيًا لقائد "فيلق القدس" السابق قاسم سليماني، ما أسفر عن مقتل أكثر من 80 شخصًا وإصابة العشرات. وفي آذار من العام ذاته، حمّل مسؤولون أميركيون الفرع مسؤولية هجوم إرهابي على قاعة حفلات موسيقية قرب موسكو أسفر عن مقتل 137 شخصًا على الأقل. يخوض نظام "طالبان" في أفغانستان والحكومة الباكستانية حربًا مع التنظيم، واستطاعا تحقيق بعض المكاسب، غير أن قدرة الدولة المركزية في أفغانستان وباكستان على بسط سيطرتها الأمنية على كافة أراضي البلدين، خصوصًا في المناطق الحدودية بينهما، لا تزال ضعيفة.
بالإضافة إلى مشكلة مكافحة فروع "داعش" في المناطق المضطربة حول العالم قبل أن تتمكن من تصدير نشاطاتها الإرهابية على نطاق واسع، تبرز معضلة التصدي لآلة البروباغندا الخاصة بالتنظيم، التي ساهمت في التسبّب بهجمات إرهابية مستوحاة من أفكار "داعش" من دون أن يكون المهاجم على اتصال بالتنظيم. مثلًا، قُتل أكثر من 80 شخصًا وأُصيب المئات إثر قيام رجل يقود شاحنة تزن 19 طنًا بدهس حشد مكتظ كان يشاهد الألعاب النارية بمناسبة عيد الباستيل في مدينة نيس الفرنسية عام 2016. وبينما أعلن "داعش" مسؤوليته عن الهجوم، حسم المحققون أن السائق كان قد تطرّف ذاتيًا، من دون وجود أدلة تربطه مباشرة بالتنظيم. كذلك، أكدت السلطات الأسترالية أن هجوم شاطئ بونداي في كانون الثاني الماضي، كان "مستوحًى" من "داعش"، حيث وجد علمان مصنوعان منزليًا للتنظيم في سيارة أحد مطلقَي النار، ولم تحدّد علاقة مباشرة أو غير مباشرة حتى الآن بين الإرهابييْن والتنظيم.
تكثيف الأمن الوقائي والعمليات العسكرية ضدّ "داعش" حول العالم خطوة جيّدة لمنع التنظيم من تكوين مراكز قوة تشكل له منصّة انطلاق لتوسيع نطاق نشاطاته الإرهابية، غير أن حسم "الحرب على الإرهاب" نهائيًا ضدّ "داعش" وغيره من التنظيمات الإسلامية الإرهابية لن يتحقق إلّا بنسف المنطلقات العقائدية التي تتبناها تلك المجموعات، من خلال منع الأفكار الدينية المتطرفة في المدارس والجوامع والمؤسسات الدينية على مستوى الدول المعنية. أما على مستوى العالم الإسلامي بشكل عام، فيجب إعادة النظر في بعض النصوص والمفاهيم الموجودة في التراث الإسلامي، تحديدًا بعض الأحاديث والآراء الفقهية، التي تشكل الركيزة الأيديولوجية الرئيسية للتيارات المتطرفة على أنواعها.