هذا الحوار، لن يرضي كثيرين
وهذا بالضبط ما يجعله مارونياً.
(في كنيسة شبه مظلمة. لا قدّاس. لا جمهور .رجلان يعرفان أنّ ما سيُقال هنا قد يُغضب الله إن لم يُقال)
بشير: المجد لله يا أبتي.
دعني أبدأ بلا مجاملات، كما اعتدت عليّ .
ما يعيشه شعبنا اليوم ليس أزمة سياسية فقط،
بل انهيار ماروني قيمي.
شعبٌ كان يكتب التاريخ، صار ينتظر دورة التاريخ.
الأباتي: دايماً لله يا ابني .
لأننا أصبحنا شعبٌ يمشي بلا أمل.
وحين يُفقتد الأمل و يتسلّل الخوف إلى الإيمان ، يتحوّل إلى طقس دفاعي نتشارك فيه في عيد أبينا مارون ، و نتخلّى عنه لحظة خروجنا من القداس لنعود إلى ما خلقناه لأنفسنا…
بشير: الخوف؟ بل التواطؤ.
نسمّي عجزنا حكمة، وجبننا تعقّلاً، وهروبنا “حفاظاً على الوجود”.
أيّ وجود هذا الذي لا يجرؤ أن يكون؟
الأباتي شربل: يا بنيّ ، أخطر ما فعله الموارنة بأنفسهم أنّهم اختصروا المارونية بالانتماء ، لا بالرسالة.
صار يكفي أن تولد مارونياً لتُعفى من أن تعيش مارونياً.
وليس هذا ما تركناه من إرث.
بشير: ربّما، ولهذا امتلأت الكنائس، وفرغت النفوس.
وامتلأت الأحزاب، وفرغت القيَم.
نصلّي كثيراً، ونكذب أكثر…كأنّ كل خطاباتي لم تجدي نفعاً
الأباتي: أمّا الكنيسة، حين تخاف من قول الحقيقة لأبنائها، تتحوّل إلى مؤسسة إدارة، لا إلى ضمير حيّ على صورة المسيح.
وأنا أقولها بألم: نحن بارعون في إدارة الانحدار، و تبريره في استجلاب السماويات…و لكنّ يا بشير هذا لا يمنع أنّ التعقل في بعض الأمور واجب و مسؤولية.
بشير: لكنّ يا أبتي ، أنا ، كنتُ أيضاً سياسياً.
ويُفترض بي أن أساير.
لكنّي لم أساير، فاتهموني بالجنون.
اليوم أرى عقلاء كُثُراً…
وموارنة أقل.
الأباتي شربل: لأنّ العقل حين ينفصل عن الشجاعة، يصبح تبريراً للانحدار.
المارونية لم تكن يوماً عقلانية بالمعنى البارد.
كانت دائماً تبادر بخطورة الخطوات و هذا ما جعلها سرّاً لا يُفهم بل يُعاش بمسؤولية و شجاعة.
بشير: قل لي بصراحة: هل لا يزال المجتمع يصنع قادة ؟
أم يكتفي بتخريج مطيعين؟
الأباتي شربل: سؤالك قاسٍ… لكنه حقيقيّ.
نحن نخاف من القادة و خصوصاً في صفوف الشّباب لأنّهم يُربكون التوازنات.
المجتمع الذّي يخاف من الإرباك، يفقد نبوءته.
بشير: لا أرى سوى مجتمع
حوّل المارونية إلى خطاب شراكة مشروطة، وتعايش بلا موقف.
الأباتي شربل: والأسوأ يا بنيّ ، أنّهم لبسوا ثوب الإنسانية ليغطّوا فراغهم الأخلاقي.
الإنسانية التي لا تدافع عن الإنسان ساعة الخطر،
كذبة ناعمة…
آه…دير النّاعمة…ليتهم يأخذونها عبرة لأثوابهم و طموحاتهم.
بشير: يا أبتي أنت تعلم أنّهم كانوا يقولون لي : التاريخ ضدّك، الجغرافيا ضدّك، و العالم كلّه ضدّك.
فاكتفيتُ بالأفعال و تذكّرتُ أنّ المارونية خُلِقت عندما كان كلّ شيء ضدّها.
فمتى أصبحت تبحث عن موافقة؟
الأباتي شربل: اليوم، يا بشير، نعلّم أولادنا كيف ينجون، لا كيف يشهدون.
كيف يتأقلمون، لا كيف يغيّرون.
وهنا تبدأ الخيانة الصامتة.
بشير: منذ متى تحوّلت المارونية إلى مشروع بقاء؟
الأباتي شربل: ولهذا أقولها بوضوح:
من لا يستطيع أن يدافع عن حرية الإنسان وكرامته بأنّه لن يتجرّد عن نفسه من أجل الأخرين فليترك بكركي و الأبرشيات و لينزل من بعبدا و المناصب ،
و يترك مارون ويوحنا مارون،
وليبحث عن إيمان أقلّ كلفة.
بئس زمن المصالحات الشكلية و حبّ الظّهور في أعياد قدّيسينا ،
فالتحيا زمن المواجهة مع الذات.
إمّا أن نعود موارنة كما كنّا…
أو نعترف أنّنا صرنا شيئاً آخر.
فالمارونية يا بنيّ لا تُصلَح بالترميم،
بل بالعودة إلى الجذور:
الله أولاً، الإنسان دائماً،
ولا شيء مقدّس سواهما.
و أنا لواثقٌ أنّ هناك في مجتمعنا اليوم من لا يزال يحمل شعلة المارونية التّي عرفناها ، في رصانته و شجاعته و قوّته في جمع القوات التّي عاش بها تلاميذ مارون على هذه الجبال و تلك الوديان.
فهذا إنذارنا الأخير…
إن لم تلد أمّهاتنا على هذه الأرض موارنة أحراراً من جديد على مثال أبائهم الذّين سكنوا الجبال وجلَلوا الصخور و الوديان،
فالأجدر بنا أن نكفّ عن ذكر مارون،لا لأنّه غاب،
بل لأنّنا ربما قتلناه.