شربل صيّاح

هل قتلنا مار مارون؟

4 دقائق للقراءة
بشير الجميّل والأباتي شربل القسيس

هذا الحوار، لن يرضي كثيرين

‎وهذا بالضبط ما يجعله مارونياً.

‎(في كنيسة شبه مظلمة. لا قدّاس. لا جمهور .رجلان يعرفان أنّ ما سيُقال هنا قد يُغضب الله إن لم يُقال)


‎بشير: المجد لله يا أبتي.

دعني أبدأ بلا مجاملات، كما اعتدت عليّ .

‎ما يعيشه شعبنا اليوم ليس أزمة سياسية فقط،

بل انهيار ماروني قيمي.

‎شعبٌ كان يكتب التاريخ، صار ينتظر دورة التاريخ.


‎الأباتي: دايماً لله يا ابني .

لأننا أصبحنا شعبٌ يمشي بلا أمل.

‎وحين يُفقتد الأمل و يتسلّل الخوف إلى الإيمان ، يتحوّل إلى طقس دفاعي نتشارك فيه في عيد أبينا مارون ، و نتخلّى عنه لحظة خروجنا من القداس لنعود إلى ما خلقناه لأنفسنا…


‎بشير: الخوف؟ بل التواطؤ.

‎نسمّي عجزنا حكمة، وجبننا تعقّلاً، وهروبنا “حفاظاً على الوجود”.

‎أيّ وجود هذا الذي لا يجرؤ أن يكون؟


‎الأباتي شربل: يا بنيّ ، أخطر ما فعله الموارنة بأنفسهم أنّهم اختصروا المارونية بالانتماء ، لا بالرسالة.

‎صار يكفي أن تولد مارونياً لتُعفى من أن تعيش مارونياً.

وليس هذا ما تركناه من إرث.


‎بشير: ربّما، ولهذا امتلأت الكنائس، وفرغت النفوس.

‎وامتلأت الأحزاب، وفرغت القيَم.

‎نصلّي كثيراً، ونكذب أكثر…كأنّ كل خطاباتي لم تجدي نفعاً


‎الأباتي: أمّا الكنيسة، حين تخاف من قول الحقيقة لأبنائها، تتحوّل إلى مؤسسة إدارة، لا إلى ضمير حيّ على صورة المسيح.

وأنا أقولها بألم: نحن بارعون في إدارة الانحدار، و تبريره في استجلاب السماويات…و لكنّ يا بشير هذا لا يمنع أنّ التعقل في بعض الأمور واجب و مسؤولية.


‎بشير: لكنّ يا أبتي ، أنا ، كنتُ أيضاً سياسياً.

ويُفترض بي أن أساير.

‎لكنّي لم أساير، فاتهموني بالجنون.

‎اليوم أرى عقلاء كُثُراً…

وموارنة أقل.


‎الأباتي شربل: لأنّ العقل حين ينفصل عن الشجاعة، يصبح تبريراً للانحدار.

‎المارونية لم تكن يوماً عقلانية بالمعنى البارد.

‎كانت دائماً تبادر بخطورة الخطوات و هذا ما جعلها سرّاً لا يُفهم بل يُعاش بمسؤولية و شجاعة.


‎بشير: قل لي بصراحة: هل لا يزال المجتمع يصنع قادة ؟

‎أم يكتفي بتخريج مطيعين؟


‎الأباتي شربل: سؤالك قاسٍ… لكنه حقيقيّ.

‎نحن نخاف من القادة و خصوصاً في صفوف الشّباب لأنّهم يُربكون التوازنات.

‎المجتمع الذّي يخاف من الإرباك، يفقد نبوءته.

‎بشير: لا أرى سوى مجتمع

‎حوّل المارونية إلى خطاب شراكة مشروطة، وتعايش بلا موقف.


‎الأباتي شربل: والأسوأ يا بنيّ ، أنّهم لبسوا ثوب الإنسانية ليغطّوا فراغهم الأخلاقي.

‎الإنسانية التي لا تدافع عن الإنسان ساعة الخطر،

كذبة ناعمة…

آه…دير النّاعمة…ليتهم يأخذونها عبرة لأثوابهم و طموحاتهم.

‎بشير: يا أبتي أنت تعلم أنّهم كانوا يقولون لي : التاريخ ضدّك، الجغرافيا ضدّك، و العالم كلّه ضدّك.

فاكتفيتُ بالأفعال و تذكّرتُ أنّ المارونية خُلِقت عندما كان كلّ شيء ضدّها.

‎فمتى أصبحت تبحث عن موافقة؟

‎الأباتي شربل: اليوم، يا بشير، نعلّم أولادنا كيف ينجون، لا كيف يشهدون.

‎كيف يتأقلمون، لا كيف يغيّرون.

‎وهنا تبدأ الخيانة الصامتة.

‎بشير: منذ متى تحوّلت المارونية إلى مشروع بقاء؟


‎الأباتي شربل: ولهذا أقولها بوضوح:

‎من لا يستطيع أن يدافع عن حرية الإنسان وكرامته بأنّه لن يتجرّد عن نفسه من أجل الأخرين فليترك بكركي و الأبرشيات و لينزل من بعبدا و المناصب ،

‎و يترك مارون ويوحنا مارون،

‎وليبحث عن إيمان أقلّ كلفة.

بئس زمن المصالحات الشكلية و حبّ الظّهور في أعياد قدّيسينا ،

‎فالتحيا زمن المواجهة مع الذات.

‎إمّا أن نعود موارنة كما كنّا…

‎أو نعترف أنّنا صرنا شيئاً آخر.

فالمارونية يا بنيّ لا تُصلَح بالترميم،

‎بل بالعودة إلى الجذور:

‎الله أولاً، الإنسان دائماً،

‎ولا شيء مقدّس سواهما.

و أنا لواثقٌ أنّ هناك في مجتمعنا اليوم من لا يزال يحمل شعلة المارونية التّي عرفناها ، في رصانته و شجاعته و قوّته في جمع القوات التّي عاش بها تلاميذ مارون على هذه الجبال و تلك الوديان.

فهذا إنذارنا الأخير…

إن لم تلد أمّهاتنا على هذه الأرض موارنة أحراراً من جديد على مثال أبائهم الذّين سكنوا الجبال وجلَلوا الصخور و الوديان،

فالأجدر بنا أن نكفّ عن ذكر مارون،لا لأنّه غاب،

بل لأنّنا ربما قتلناه.