كتب أنطوني شمعون في موقع The Beiruter المقال الآتي:
على مدى أكثر من قرن، شكّلت المسألة الكردية إحدى أكثر المعضلات السياسية غير المحلولة استمرارية في الشرق الأوسط. ويبلغ عدد الأكراد نحو 30 مليون نسمة، ما يجعلهم أكبر مجموعة عرقية عديمة الدولة في العالم، ويتوزعون بين تركيا وإيران والعراق وسوريا (حيث يشكّلون نحو 10% من سكان الأخيرة). وعلى الرغم من جذورهم التاريخية العميقة في المنطقة، فقد أُعيد تشكيل تطلّعات الأكراد إلى تقرير المصير مرارًا بفعل التحوّلات الجيوسياسية، والتنافسات الإقليمية، وسياسات مركزية الدولة.
في سوريا، بلغت الطموحات السياسية الكردية ذروتها خلال الحرب الأهلية في البلاد، حين أنشأت القوات التي يقودها الأكراد إدارة ذاتية بحكم الأمر الواقع في الشمال والشمال الشرقي. غير أنّ انهيار نظام بشار الأسد في 8 كانون الأوّل 2024، وصعود سلطة انتقالية جديدة بقيادة الرئيس الإنتقالي أحمد الشرع، القائد السابق لهيئة تحرير الشام (المعروف سابقًا باسمه الحركي "أبو محمد الجولاني")، غيّرا بشكل جذري موقع الأكراد. وقد أدّى تراجع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وتقلّص الانخراط الأميركي، واتفاق وقف إطلاق النار الأخير إلى إدخال المسألة الكردية في مرحلة معقّدة من عدم اليقين.
ومن هنا، فإنّ فهم الواقع الراهن يتطلّب دراسة النضال الكردي من خلال مساره التاريخي كما والتحوّلات السياسية الأخيرة.
الأسس التاريخية لانعدام الدولة الكردية وتشكّل الهوية
الأكراد شعب أصيل في منطقة جبلية تُعرف باسم "كردستان،" تمتدّ عبر تركيا والعراق وإيران وسوريا المعاصرة. ورغم غيابها عن الخرائط الرسمية، تحتلّ كردستان مكانة مركزية في الوعي الجماعي الكردي. لقد بدأت الهوية الكردية، القائمة على اللغّة والثقافة والتماسك الاجتماعي، بالتبلور خلال العصور الوسطى. ومن اللافت أنّ أبرز شخصية كردية تاريخيًا هي صلاح الدين الأيوبي، القائد المسلم البارز ومؤسّس الدولة الأيوبية (1171-1250)، المعروف بدوره في الحروب الصليبية والسيطرة على القدس عام 1187. على الرغم من أنّ المجتمع الكردي ذو غالبية سنّية، فإنّه يضمّ الإيزيديين والعلويين والمسيحيين وجماعات شيعية، ما يعكس تعدّدية داخلية.
يمكن تتبّع تراجع الاستقلال السياسي الكردي إلى القرن السادس عشر، حين بدأ العثمانيون تدريجيًا بدمج الأراضي الكردية ضمن هيكلهم الإمبراطوري المتوسّع. رغم احتفاظ الحكّام المحليين بسلطات محدودة، فإنّ نفوذهم تراجع مع مرور الوقت. ومع انهيار الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، برزت فرصة أوّلية لتعزيز الاستقلال الكردي. فقد تضمّنت معاهدة سيفر (Treaty of Sèvres) عام 1920 بنودًا تمنح الأكراد حكمًا ذاتيًا وإمكانية إقامة دولة خاصّة بهم، ما مثّل اعترافًا دوليًا بالقومية الكردية. إلّا أنّ المعاهدة لم تُصدَّق ولم تُنفَّذ، واستُبدلت بمعاهدة لوزان (Treaty of Lausanne) عام 1923 التي تخلّت عن مبدأ تقرير المصير الكردي، وقسّمت المناطق ذات الغالبية الكردية بين دول قومية حديثة التأسيس. ومنذ ذلك الحين، شهدت الحركات الكردية انتفاضات وحملات سياسية متكرّرة، لكنّها لم تحقّق استقلالًا كاملًا، ما رسّخ صراعًا ممتدًّا على مدى قرن تميّز بالقمع والتمرّد وأزمة الهوية غير المحلولة.
في سوريا، تميّز الاندماج المبكر للأكراد في الدولة الحديثة بتهميش ممنهج، إذ أدّى صعود القومية العربية إلى تراجع حضور الهوية الكردية داخل مؤسّسات الدولة. وأدّى "الإحصاء الاستثنائي" عام 1962 في محافظة الحسكة إلى تجريد نحو 120 ألف كردي من الجنسية، ما حرم أجيالًا من الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية. كما سعت سياسات التعريب، ومنها مشروع "الحزام العربي" في سبعينيات القرن الماضي، إلى تغيير التركيبة الديموغرافية في المناطق ذات الغالبية الكردية عبر تهجير الأكراد وإعادة توطين مجتمعات عربية. وعلى الرغم من عقود القمع السياسي، استمرّت الهوية والنشاط السياسي الكرديان، ممّا وفّر أرضية خصبة للتعبئة السياسية السريعة عقب ثورة 2011.
صعود قوات سوريا الديمقراطية والحكم الذاتي الكردي بحكم الأمر الواقع
أعادت الحرب الأهلية السورية (2011-2024) تشكيل الواقع السياسي الكردي بصورة جذرية. فمع انهيار سلطة الدولة المركزية في أجزاء واسعة من شمال سوريا، ملأت الجماعات الكردية، بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي (Democratic Union Party - PYD) وجناحه العسكري وحدات حماية الشعب (People’s Protection Units - YPG)، فراغ السلطة في المنطقة. وتعتبر أنقرة أنّ هذه الجماعات مرتبطة مباشرة بحزب العمال الكردستاني (Kurdistan Workers’ Party - PKK) الذي أسّسه عبد اللّه أوجلان عام 1978 ويهدف إلى إقامة دولة كردية مستقلّة، وهو مصنّف منظّمة إرهابية من قبل تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى. ورغم أنّ تركيز القوات الكردية كان في البداية على الدفاع المجتمعي، فإنّها سرعان ما أصبحت لاعبًا رئيسيًا في الصراع.
شكّل صعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، الذي أعاد تسمية نفسه لاحقًا "الدولة الإسلامية،" نقطة تحوّل حاسمة. فقد مثّلت معركة كوباني بين عامي 2014 و2015 لحظة عسكرية ورمزية مفصلية، إذ نجح المقاتلون الأكراد، بدعم عسكري ولوجستي أميركي واسع، في صدّ قوات التنظيم، ممّا عزّز الشراكة الاستراتيجية الأميركية-الكردية وحوّل كوباني إلى رمز للمقاومة الكردية.
في عام 2015، أدّى تأسيس قوات سوريا الديمقراطية (SDF)، وهي تحالف متعدّد الأعراق يضمّ عربًا وآشوريين وتركمانًا، إلى توسيع النفوذ الكردي. ومع استمرار الدعم الغربي، لعبت هذه القوات دورًا محوريًا في القضاء على "الخلافة" الإقليمية لتنظيم داعش، إضافةً إلى إدارة الموارد ومراكز احتجاز عناصر التنظيم ومخيّمات النازحين.
إلى جانب إنجازاتها العسكرية، أسّست قوات سوريا الديمقراطية "الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا" (DAANES)، المعروفة باسم "روج آفا" (Rojava)، التي روّجت لنموذج حكم لا مركزي قائم على المساواة بين الجنسين والتمثيل المحلّي. وبالنسبة لكثير من الأكراد، شكّلت روج آفا أبرز تجسيد عملي للحكم الذاتي منذ تأسيس إقليم كردستان العراق عقب دستور العراق الاتحادي لعام 2005.
تراجع قوات سوريا الديمقراطية وتراجع النفوذ الكردي في سوريا ما بعد الأسد
أدّى سقوط الرئيس السابق بشار الأسد في 8 كانون الأوّل 2024 إلى دخول سوريا مرحلة جديدة من إعادة بناء الدولة بقيادة الرئيس الإنتقالي أحمد الشرع. وسعى الشرع، المنبثق من شبكات المعارضة الإسلامية، إلى إعادة ترسيخ الحكم المركزي في بلد مزّقته الحرب، بالتوازي مع تأمين الاعتراف الدولي اللازم للشرعية وإعادة الإعمار. وبالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية، شكّلت هذه المرحلة فرصة للاندماج السياسي وتهديدًا مباشرًا للحكم الذاتي الذي بنته.
أسفرت المفاوضات الأوّلية بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية عن اتفاق 10 آذار 2025، الذي اقترح دمج مقاتلي قسد في القوات المسلّحة السورية، ونقل السيطرة على الموارد الطبيعية إلى الحكومة المركزية، وضمان بعض الحقوق الثقافية الكردية. إلّا أنّ الخلافات حول طبيعة الاندماج وصلاحيات الحكم المحلّي أدّت إلى تعثّر المفاوضات، إذ أصرّت قيادة قسد على الحفاظ على الهياكل الإدارية اللامركزية، بينما رفضت السلطات السورية أي نموذج قد يضعف سيادة الدولة المركزية.
من هنا، تصاعدت المواجهات العسكرية في أواخر 2025 وبداية 2026، حيث أدّت الهجمات الحكومية المدعومة بفصائل عشائرية عربية وتحالفات إقليمية ضمنية إلى انهيار سريع لسيطرة قسد في مناطق ذات غالبية عربية مثل دير الزور والرقة. كما لعبت انشقاقات عشائرية دورًا حاسمًا عبر توفير معلومات استخباراتية ودعم لوجستي للقوات الحكومية. وفي الوقت ذاته، عزّزت الحكومة السورية تحالفاتها العشائرية من خلال مؤسّسات جديدة، بينها مكتب العشائر والقبائل (الذي صُمِّم لدمج الفاعلين القبليين ضمن الهياكل الحكومية الناشئة).
إعادة تشكيل الحكم الذاتي الكردي
بحلول أوائل 2026، دفعت الانتكاسات العسكرية قوات سوريا الديمقراطية إلى إعادة تقييم استراتيجيتها السياسية. وأفضت سلسلة اتفاقات وقف إطلاق النار إلى إطار اندماج شامل في 30 كانون الثاني 2026، بهدف تحويل الهدنة الهشّة إلى تسوية سياسية أكثر استدامة.
ينصّ الاتفاق على دمج تدريجي لقوات قسد ضمن المؤسّسة العسكرية السورية، بما يشمل تشكيل فرقة عسكرية جديدة تضمّ ثلاثة ألوية من قسد، ودمج مقاتلين أكراد ضمن ألوية حكومية قائمة، مع نشر قوات في محافظة حلب وكوباني. كما ستنتشر قوات أمن تابعة لوزارة الداخلية في معاقل كردية سابقة مثل الحسكة والقامشلي.
كما يتضمّن الاتفاق بُعدًا إداريًا هامًّا، يقضي بدمج المؤسّسات التي أنشأتها الإدارة الذاتية الكردية ضمن هياكل الدولة السورية، مع الحفاظ على وظائف الموظّفين المحليين. هذا وستتولّى الحكومة السيطرة على البنى التحتية الاستراتيجية، بما في ذلك المعابر الحدودية ومنشآت الطاقة، ممّا يعزّز السلطة الاقتصادية المركزية.
ولطمأنة المجتمعات الكردية، يتضمّن الاتفاق بنودًا تعترف بالحقوق الثقافية والتعليمية الكردية، وتسهّل عودة النازحين، وتقرّ رسميًا بالهوية الكردية ضمن الإطار الوطني السوري. كما سبق أن منح المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 الجنسية للأكراد عديمي الجنسية، واعترف بالهوية الكردية جزءًا من النسيج الوطني السوري، واعتمد اللغة الكردية لغة وطنية إلى جانب العربية، وأقرّ عيد النوروز (Newroz) عطلة وطنية.
وقد رحّب المجتمع الدولي عمومًا بالاتفاق، إذ اعتبرته الأمم المتحدة خطوة أساسية نحو المصالحة الوطنية، فيما وصفه المبعوث الأميركي الخاص لسوريا توم باراك بأنّه "محطّة تاريخية في مسيرة سوريا نحو المصالحة الوطنية والوحدة والاستقرار الدائم." كما عزّز الاتفاق موقع الرئيس الشرع سياسيًا، في ظلّ مساعيه للحصول على دعم دولي لإعادة الإعمار وتعزيز الشرعية.
ورغم طابعه التهديفي إلى تحقيق الاستقرار، لا تزال شكوك كبيرة قائمة، إذ ترى قطاعات كردية أنّ عملية الاندماج تمثل تسوية قسرية تنهي تجربة الحكم الذاتي التي استمرّت عقدًا كاملًا، ما يثير مخاوف تتعلّق بالتمثيل السياسي والترتيبات الأمنية والاستقرار الديموغرافي في المناطق ذات الغالبية الكردية.
وتبقى كوباني منطقة شديدة الحساسية، إذ تحيط بها قوات حكومية وفصائل مدعومة من تركيا، ما يجعلها رمزًا للمقاومة الكردية وحدود السيطرة الإقليمية الكردية الهشّة، في ظلّ استمرار معارضة تركيا للحكم الذاتي الكردي.
إعادة الاندماج دون حلّ نهائي
تعكس التجربة الكردية في سوريا المسار التاريخي الأوسع للنضال السياسي الكردي في الشرق الأوسط، باعتباره تفاوضًا مستمرًّا بين الهوية والحكم الذاتي وسيادة الدولة. وقد أظهر صعود قوات سوريا الديمقراطية إمكانات غير مسبوقة للتمكين السياسي الكردي خلال فترات انهيار الدولة، فيما يبرز تراجعها العسكري والسياسي الأخير حدود هذه الإمكانات ضمن توازنات القوى الإقليمية والدولية.
ويمثّل اتفاق الاندماج محطّة هامّة في إعادة بناء سوريا بعد الحرب، وقد يسهم في استقرار منطقة مضطربة وتعزيز إعادة توحيد البلاد. ومع ذلك، فإنّه لا يحلّ المسألة الكردية بشكل كامل، إذ إنّ الوعي السياسي الكردي، الذي تعزّز خلال سنوات الحكم الذاتي، من غير المرجّح أن يقبل بالعودة الكاملة إلى التهميش المركزي.
في المحصّلة، ستعتمد استدامة إعادة بناء سوريا على قدرة الدولة على التوفيق بين وحدة الأراضي والتعدّدية السياسية الفاعلة. فتشير السوابق التاريخية إلى أنّ الاستقرار الدائم في المجتمعات متعدّدة الأعراق نادرًا ما يتحقق عبر المركزية القسرية وحدها. بالتالي، تبقى المسألة الكردية اختبارًا حاسمًا لقدرة سوريا على بناء نظام سياسي شامل لما بعد الصراع قائم على العدالة الانتقالية.