في كل استحقاق انتخابي، يميل الخطاب السياسي في لبنان إلى تحويل الانتخابات إلى معركة وجودية، وكأن الصناديق ليست وسيلة محاسبة بل ساحات قتال مؤجلة. هذا المنطق الذي استُهلك حتى التآكل، لا ينطبق على ما تشهده بعلبك الهرمل اليوم، حيث تبدو الانتخابات أقرب إلى نقطة تحوّل هادئة منها إلى معركة كسر عظم بين مشاريع متقابلة.
فالمنطقة التي لطالما صُنفت على أنها محسومة النتائج، تعيش تغيرًا بطيئًا لكنه عميق في المزاج العام. ليس لأن موازين القوى انقلبت فجأة، بل لأن الناس تغيّروا. فالتعب العام، والانهيار الاقتصادي، وتراجع منسوب الوعود، كلها عوامل تعيد تعريف معنى المشاركة السياسية، وتدفع شريحة واسعة من الناخبين إلى إعادة النظر في جدوى الاصطفافات التقليدية، ونتائج تلك الخيارات على مدى دورات متتالية.
لا تكمن خصوصية بعلبك الهرمل فقط في تركيبتها السياسية، بل في التناقض الصارخ بين فائض القوة التنظيمية من جهة، وفائض الحرمان الإنمائي من جهة أخرى. هنا لم تعد المعركة تدور حول من يربح، بل حول ماذا بعد الربح؟ سؤال لم يكن مطروحًا بجدية في دورات سابقة، لكنه اليوم يتسلل إلى النقاش العام ولو بصوت منخفض، وبدأ سيل الاعتراضات على الأداء وماذا قُدم للمنطقة يظهر للعلن من داخل الأبواب المغلقة، بعد أن كان شبه محرّم ويمس بمن يعتبر فوق النقد.
في قلب هذا التحوّل، يقف الواقع السني في المنطقة عند مفترق دقيق، فبعد سنوات من الغياب أو المشاركة المترددة، يعيش الشارع السني حالة صمت سياسي لا يمكن قراءتها كحياد، ولا كاستسلام. هو صمت نتج سابقًا عن الخوف أحيانًا، وعن خيبة الأمل أحيانًا أخرى، وعن غياب البدائل المقنعة في كثير من الأحيان. فلا مصادرة التمثيل كانت ذات مستوى، ولا النجاح الذي أمنه القانون الانتخابي نجح في إيصال من هم أهل، ولا من تعتبر نفسها مرجعيات تتعاطى مع الأمور من مبدأ الصالح العام، بل من زاوية المصالح الخاصة والآنية. وعليه لا حماسة للمعركة اليوم، ولا رغبة في القطيعة، بل ترقب لما ستؤول إليه الأمور.
في المقابل، يَدخل "حزب الله" هذا الاستحقاق بثباته التنظيمي المعروف، مستندًا إلى ماكينة انتخابية منضبطة وخطاب مجرّب. إلا أن هذا الثبات على أهميته، لا يُخفي حالة ارتباك سياسية كامنة، تظهر في العجز عن تقديم إجابات إنمائية مقنعة، أو في إعادة إنتاج خطاب لم يعد يلامس أولويات الناس اليومية. فالمشكلة هنا لم تعد في السلاح أو الشعارات الكبرى، بل في إدارة الشأن العام، وفي القدرة على تحويل النفوذ إلى تحسين فعلي في حياة المواطنين، بدل أن يلتحف شعارات فضفاضة لن تحمي وإلى الآن لم تبنِ.
وفي ما يتصل بقوى المعارضة، لا يمكن مقاربة أدائها بمعزل عن السياق الذي عملت ضمنه طوال السنوات الماضية. فهذه القوى واجهت تضييقًا سياسيًا وإداريًا واضحًا، إلى جانب عجزها عن مجاراة محادل المال والسلطة التي تحكمت بمفاصل المعركة الانتخابية. وفي بيئة كهذه، يصبح الحديث عن منافسة متكافئة أمرًا نظريًا أكثر منه واقعيًا. ومع ذلك، فإن حضور المعارضة، ولو ضمن هوامش ضيقة، يبقى مؤشرًا إلى وجود رغبة كامنة بالتغيير، حتى وإن لم تُترجم بعد خروقات وازنة على مستوى النتائج.
أما على الضفة الأخرى، فيبرز الحضور المسيحي في بعلبك الهرمل، ولا سيما في قرى دير الأحمر وبلدات السهل وصولاً إلى القاع ورأس بعلبك، حيث تشكّل "القوات اللبنانية" قوة سياسية فاعلة ضمن بيئتها. هذا الحضور لا يتخذ طابع المواجهة المفتوحة، بل يركّز على تثبيت الموقع السياسي والاجتماعي، مستفيدًا من خصوصية هذه القرى ومن شبكة علاقات محلية متجذّرة. وهو ما يعكس أن الانتخابات في المنطقة لا تُدار كصدام شامل، بل كعملية ضبط متبادل للأحجام والأدوار.
من هنا، تبدو انتخابات بعلبك الهرمل محطة انتقالية أكثر منها مواجهة فاصلة. هي اختبار للمزاج العام، ولمدى استعداد الناس للانتقال من التصويت بدافع الخوف أو الولاء، إلى التصويت بدافع المحاسبة. وهي رسالة بأن المعركة المقبلة لن تُحسم في صندوق اقتراع واحد، بل في مسار تراكمي طويل، ووعي سياسي جديد يتشكّل ببطء خارج الضجيج.
في بعلبك الهرمل، قد لا تغيّر هذه الانتخابات كل شيء، لكنها بالتأكيد تكشف أن شيئًا ما بدأ يتغيّر، وهذا وحده كافٍ لاعتبارها نقطة تحوّل لا معركة كسر عظم.