أحيا ملالي طهران الذكرى الـ 47 لاستيلاء "الثورة الإسلامية" على السلطة في إيران أمس، فوق أجساد عشرات آلاف ضحايا القمع البربري للثورة الشعبية التي انفجرت في وجههم نهاية العام الفائت واستعرت الشهر الماضي، مطالبة بإسقاط النظام الظلامي الذي أعاد الحضارة الإيرانية العريقة إلى غياهب القرون الوسطى عبر أيديولوجيته الهدّامة التي لم تجلب للشعب الإيراني سوى الويلات والحروب والفقر والعزلة والاضطهاد. ولكن، رغم نجاح آلة القتل في سحق التحركات الشعبية في أنحاء إيران، انتشرت مقاطع فيديو لإيرانيين يهتفون بشعارات مناهضة للنظام ومرشده علي خامنئي من داخل منازلهم وعلى شرفاتها، تزامنًا مع المراسم الاحتفالية التي نظمها الملالي بمناسبة الذكرى المشؤومة، ما يظهر العزيمة القوية للشعب الإيراني وصلابته وإصراره على التخلّص من لعنة "الثورة الإسلامية".
وشهدت مراسم الاحتفال الرسمي بذكرى "انتصار الثورة"، التي شارك فيها كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين في النظام، فعاليات مرتكزة على بروباغندا الملالي التي لم تعد تنطلي سوى على أنصارهم المؤدلجين، حيث تخلّل المراسم هتافات "الموت لأميركا" و "الموت لإسرئيل"، وعرض رمزي لتوابيت قادة عسكريين أميركيين، من بينهم قائد القيادة المركزية براد كوبر، مع إبراز حضور الأطفال، في تحرّك يهدف إلى إعادة بناء صورة النظام وسط أزمة شرعية متزايدة واستمرار القمع ضدّ الشعب، بينما خرج إيرانيون معارضون إلى شرفات منازلهم وهم يهتفون بشعارات "الموت لخامنئي" و "الموت للديكتاتور" و "الموت للجمهورية الإسلامية". كما ظهرت صور ومجسّمات ساخرة ومهينة للرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في وقت نشر فيه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر على منصة "إكس" صورًا للإعدامات وقتل المتظاهرين في إيران، وكتب: "47 عامًا من القتل والعنف داخل إيران وفي كافة أنحاء العالم".
في الغضون، دعت لجنة "نوبل"، النظام الإيراني، إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن المعارضة الإيرانية الحائزة على جائزة "نوبل للسلام" نرجس محمدي، وضمان حصولها على رعاية طبية مستقلة ومهنية، معتبرة أن "معاناة السيدة محمدي تمثل مثالًا قاتمًا آخر على القمع الوحشي الذي أعقب الاحتجاجات الجماهيرية في إيران، حيث خاطر عدد لا يُحصى من النساء والرجال بحياتهم للمطالبة بالحرية والمساواة وحقوق الإنسان الأساسية"، كما دعت إلى الإفراج عن جميع السجناء السياسيين وسجناء الرأي المحتجزين بسبب ممارستهم حقوقهم المشروعة، وإلى ضمان حماية كرامتهم الإنسانية الأساسية وسلامتهم.
أوروبيًا، يناقش البرلمان الأوروبي مسوّدة قرار حول "القمع المنهجي، والظروف غير الإنسانية والاعتقالات التعسفية في إيران"، على أن تعرض هذه المسوّدة للتصويت اليوم. وقدم المسوّدة أعضاء من مجموعة "الخضر" وائتلاف "أوروبا الحرة"، وتشير إلى تصعيد القمع منذ كانون الأول الماضي، واستخدام "العنف المميت"، والاعتقالات الواسعة، والاختفاء القسري، والتعذيب، وقطع الإنترنت، وتدين هذه الإجراءات. وتنص المسوّدة على أن الكوادر الطبية استُهدفت بسبب علاج المتظاهرين، وعلى أن المعتقلين حرموا من الوصول إلى الخدمات الطبية والمحامين. كما تشير إلى أمثلة على "القمع العابر للحدود"، بما في ذلك اعتقال أقارب نشطاء حقوق الإنسان.
وتطرح المسوّدة مطالب عدة محددة، من بينها "الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين السياسيين والمتظاهرين، ووصول غير محدود للهيئات الدولية إلى مراكز الاحتجاز، وتشديد العقوبات على الأفراد والهيئات المسؤولين عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ودعم المجتمع المدني الإيراني، بما في ذلك أدوات الاتصال الآمن والتقنيات المناهضة للرقابة، والتعاون الكامل من إيران مع آليات المساءلة التابعة للأمم المتحدة". وترحّب المسودة بقرار مجلس الاتحاد الأوروبي إدراج "الحرس الثوري" الإيراني ضمن لائحة المنظمات الإرهابية. وفي حال اعتمادها، سترسل المسوّدة إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، الممثل الأعلى للسياسة الخارجية، والدول الأعضاء، وكذلك إيران.
توازيًا، أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن بلاده ستزيد عدد التأشيرات الممنوحة للإيرانيين الساعين إلى اللجوء، موضحًا أن "باريس تريد دعم الشعب الإيراني بكل الوسائل الممكنة، خصوصًا عبر استقبال المعارضين الذين تلاحقهم السلطات ويسعون إلى اللجوء والحماية في فرنسا، لذا سنزيد تأشيراتنا الإنسانية المخصصة لأغراض اللجوء لهؤلاء الذين يتعين علينا حمايتهم".