من الكتاب إلى الشاشة: أكثر من نقل للنص

4 دقائق للقراءة
سلسلة روايات "Harry Potter"

عند تحويل الكتب إلى أفلام أو مسلسلات، ثمّة خطأ شائع وهو الاعتقاد أن الوفاء للنص الأصليّ يعني نسخه حرفيًا. الحقيقة أن التكيّف الناجح هو محاولة لفهم الروح الخفيّة للنص، والصراعات الداخليّة للشخصيّات، والنبض العاطفي الذي يجعل الكتاب فريدًا. بعدها تتولّى السينما مهمّة تجسيد هذه الروح بلغة بصريّة وسمعيّة، حيث يمكن للصمت، والإضاءة، والموسيقى، والزوايا السينمائية أن تتحوّل إلى أدوات سرديّة تضاهي الكلمات.

قد يفرض هذا التحوّل حذف بعض المشاهد، أو إعادة ترتيب الأحداث، أو إدخال تعديلات زمنية، بل وربما اتخاذ قرارات جمالية جريئة تكسر القالب التقليدي، مع الحرص على أن يظل جوهر الكتاب وروحه حاضرَيْن في كل إطار. وعملية النقل هذه تُسمّى الاقتباس السينمائي (Film Adaptation).

ومن المهم الإشارة إلى أن الاقتباس لا يتساوى بين الأفلام والمسلسلات: فالأفلام غالبًا ما يضطر صانعوها لضغط الحبكات وتقصير التفاصيل، بينما تُمنح المسلسلات وقتًا أطول لاستكشاف الشخصيات والأحداث بعمق أكبر، ما يجعل تجربة المُشاهدة أقرب إلى روح النص الأصلي.


أمثلة كلاسيكية ناجحة 

من أبرز الأمثلة الكلاسيكية التي توضح الاقتباس، فيلم "The Godfather" سنة 1972، حيث حوّل المخرج فرانسيس فورد كوبولا رواية الكاتب ماريو بوزو التي تحمل العنوان نفسه، إلى مأساة كلاسيكية عن السلطة، الإرث، والخيارات الأخلاقية للأفراد ضمن عالم الجريمة المنظمة. ويُعتبر الجزء الثاني (1974) منه مثالًا نادرًا على اقتباس يحترم النص ويتجاوزه، لكن في الجزء الثالث (1990)، ظهرت عناصر من النص الأصلي كانت غائبة عن الجزءين السابقَين.

أما في فيلم "Romeo and Juliet"، فقد اقترب فيه المخرج فرانكو زيفيريلي عام 1968 من النص الأصلي واختار ممثلين يعكسون الفئة العمرية الحقيقية للشخصيات. فيما أعاد المخرج باز لورمان تقديم القصة عام 1996 بأسلوب حديث يناسب الشباب، حيث أضفى حيوية وتأثيرًا بصريًا مع حفاظه على النص.

كذلك، برز عدد من المسلسلات المقتسبة، مثل "Game of Thrones" بين عامَيْ 2011 و 2019 والمقتبس عن سلسلة "A Song of Ice and Fire" للكاتب George R. R. Martin، والذي استوعب البنية السردية المركّبة للروايات وأهمية تعدّد وجهات النظر والسياسة اليومية، ليتحوّل إلى ظاهرة تلفزيونية عالمية رغم الجدل الذي أحاط بخاتمته.

كذلك، حوّلت ثلاثية "The Lord of the Rings"بين عامَيْ 2001 و 2003 للمخرج بيتر جاكسون، النصوص المعقدة للكاتب J.R.R. Tolkien إلى ملحمة سينمائية، مع قطع ودمج وإعادة ترتيب الأحداث، لكنها حافظت على القلب الروحي والأخلاقي للعمل، مع التركيز على الأسطورة والشعور بالرحلة والتضحية أكثر من تسلسل الأحداث.

ورافقت سلسلة "Harry Potter film series"، المقتبسة عن روايات "Harry Potter" للكاتبة J. K. Rowling، بين عامَي 2001 و 2011، تطوّر أبطالها وجمهورها معًا، محافظة على جوهر الروايات: الانتماء، والاختيار الأخلاقي، والانتقال من الطفولة إلى البلوغ.


أمثلة حديثة

حديثًا، استند فيلم "People We Meet on Vacation" إلى رواية إميلي هنري، لكنه خذل بعض القرّاء بسبب تغييرات كبيرة في الحبكة وتطوير سطحّي للشخصيات، مثل تعديل مواقع الأحداث وخلفيات الشخصيات.

بدوره، ركّز مسلسل "A Knight of the Seven Kingdoms" عام 2022 على الأخلاق والقدر والاختيارات الفردية بدلًا من المعارك والتنانين، ما أكسبه استحسانًا جماعيًا. بينما حافظ مسلسل "Slow Horses" عام 2022 على روح الفكاهة الساخرة ونبرة خيبة الأمل في كتاب "Slow Horses" للكاتب البريطاني ميك هيرون، مع تركيز على الشخصيات وأداء غاري أولدمان المميّز، ليعيد تقديم تجربة الرواية بأسلوب تلفزيوني جذاب.

تُظهر إذًا كلّ هذه الأمثلة أن المسلسلات تتيح مساحة أكبر لتطوير الحبكات والشخصيات، ما يجعل تجربة المشاهدة أقرب لروح الكتاب. في المقابل، جودة الفيلم وحدها لا تكفي لجعله اقتباسًا ناجحًا، فالوفاء لجوهر الرواية هو المعيار الحقيقي.