انطلقت فعاليات "مؤتمر ميونيخ للأمن" أمس بحضور كبار القادة السياسيين وممثلين عنهم من أنحاء العالم، في وقت تحاول فيه دول العالم التأقلم مع التحولات التي طرأت على النظام الدولي خلال السنوات القليلة الماضية، خصوصًا مع تراجع الاهتمام في المحافظة على القوانين والأعراف الدولية وعودة التنافس على "مناطق النفوذ" بين القوى العظمى، التي غدت تعتمد أكثر فأكثر على القوة لتحقيق مصالحها بدلًا من الاحتكام إلى القوانين الدولية.
افتتح المستشار الألماني فريدريش ميرتس المؤتمر، الذي يستمرّ حتى الأحد، بخطاب بدا أنه ردّ مباشر على خطاب نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس الذي وبّخ فيه الأوروبّيين في ميونيخ العام الماضي، وامتداد للخطاب الحماسي الذي ألقاه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس في سويسرا حول التحدّيات التي تواجه النظام الدولي والعلاقات بين حلفاء "الناتو" في ظلّ السياسة الخارجية لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. واعتبر ميرتس أن "النظام الدولي القائم على الحقوق والقواعد يجري تدميره حاليًا"، مشيرًا إلى أن إجراءات إدارة ترامب خلال العام الماضي تعني أن ادعاء أميركا بالقيادة العالمية "قد تعرّض للتحدّي، وربما أُهدِر". وتحدّث عن انفتاح شرخ بين أوروبا وأميركا، "إذ قال نائب الرئيس جيه دي فانس هذا الأمر بصراحة شديدة هنا في ميونيخ قبل عام، وكان محقًا، إن حرب الثقافة التي تخوضها حركة "ماغا" ليست حربنا".
وأشار ميرتس مرارًا إلى الأميركيين بوصفهم "أصدقاء"، وطرح مبرّرات استمرار حاجة أميركا وأوروبا إلى بعضهما البعض كشريكين، لكنه عدّد أيضًا السبل التي انحرفت بها سياسات ترامب عن القيم التي كان الأوروبيون يعتقدون أنهم يتشاركونها مع أميركا، بما في ذلك معارضة خطاب الكراهية، ومكافحة تغيّر المناخ، ودعم التجارة الحرة. وقبيل نهاية الخطاب، الذي ألقاه بالألمانية، انتقل ميرتس إلى الإنكليزية ليخاطب الإدارة الأميركية مباشرة، قائلًا: "في عصر تنافس القوى الكبرى، حتى أميركا لن تكون قوية بما يكفي لتتحرّك بمفردها، أصدقائي الأعزاء، إن كون المرء جزءًا من "الناتو" ليس ميزة تنافسية لأوروبا فحسب، بل هو أيضًا ميزة تنافسية لأميركا".
كما انتقد ميرتس، أوروبا، لعدم قيامها بما يكفي لتعزيز أمنها وتنمية اقتصاداتها بصورة مستقلة عن أميركا، لكنه أصرّ على أن الطرفين بحاجة إلى مواصلة العمل معًا، بما في ذلك من خلال حلف "الناتو". وكشف أنه "بدأت محادثات سرّية مع الرئيس الفرنسي حول الردع النووي الأوروبي... نحن الألمان نفي بالتزاماتنا القانونية، ونعتبر هذا الأمر جزءًا لا يتجزأ من شراكتنا النووية في حلف "الناتو"، ولن نسمح بتفاوت المستويات الأمنية من منطقة إلى أخرى في أوروبا". لاحقًا، عقد ميرتس اجتماعًا مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أرفع مسؤول يمثل أميركا في المؤتمر هذا العام، والذي من المقرّر أن يلقي خطابًا اليوم. وعقد روبيو سلسلة من اللقاءات الأخرى شملت رئيسة مولدوفا، ورؤساء وزراء الدنمارك وغرينلاند وكرواتيا، ونظيريه الصيني والبولندي. واعتبر وكيل وزارة الحرب الأميركية للسياسات إلبريدج كولبي في ميونيخ أن عام 2025 كان يهدف إلى "إعادة صياغة" و "إعادة توجيه" العلاقة عبر الأطلسي، مشيرًا إلى أنه يوجد الآن "فترة انتقالية" بعيدًا من حقبة ما بعد الحرب الباردة، التي قامت فيها شراكة أوروبا وأميركا على القيم المشتركة، وانتقالًا إلى حقبة ترتكز فيها على المصالح المشتركة.
وألقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خطابًا اتسم بالتحدّي إزاء مستقبل أوروبا، ودفع فيه باتجاه الردّ على خطوات ترامب الأخيرة، من دون أن يوجّه انتقادًا مباشرًا للرئيس الأميركي. ورأى أن أوروبا "تعرّضت للتشويه" باعتبارها مكانًا للهجرة غير المنضبطة وقمع حرّية التعبير، معتبرًا أنه "ينبغي للجميع أن يقتدوا بنا، بدلًا من انتقادنا أو محاولة تقسيمنا". وأشار إلى طموحات ترامب في شأن غرينلاند، جازمًا بأنه "يجب أن نظهر للعالم عزمنا الثابت على الدفاع عن مصالحنا". ودافع عن دعم أوروبا لأوكرانيا، لكنه أشار إلى أن هناك حاجة إلى بذل المزيد لزيادة الضغط على روسيا. وانتقد الخطابات الانهزامية في شأن أوكرانيا، معتبرًا أن روسيا في الواقع أُضعِفت بسبب الحرب وأصبحت "تعتمد بالكامل على الصين". وأكد أنه لا يمكن التوصل إلى أي اتفاق سلام من دون الأوروبيين.
وشدّد ماكرون على أن "أوروبا تعيد التسلّح، لكن علينا الآن أن نذهب أبعد من ذلك، يجب أن تتعلّم أوروبا أن تكون قوة جيوسياسية"، مؤكدًا وسط تصفيق حار في القاعة أن "أوروبا ستكون حليفًا وشريكًا جيّدًا لأميركا، وستكون شريكًا يحظى بالاحترام، ويجب أن نُحترم، لقد فعلنا الكثير وسنفعل المزيد". وحول الحوار الفرنسي - الألماني المتعلّق بالردع النووي، أكد أنه سيقدّم مزيدًا من التفاصيل في خطابه المرتقب حول العقيدة النووية خلال الأسابيع المقبلة، مشيرًا إلى أنه "ننظر في كيفية مواءمة عقيدتنا الوطنية مع تعاون خاص ومصلحة أمنية مشتركة، وهذا ما نقوم به للمرّة الأولى في التاريخ (مع ألمانيا)".
في الغضون، حضر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، المتواجد في ميونيخ حيث من المقرّر أن يلقي كلمة اليوم، اجتماع "صيغة برلين" مع عدد من القادة على هامش المؤتمر، حيث أوضح أن النقاش تركّز على الوضع في قطاع الطاقة لدينا وعلى جهود إعادة الإعمار، كما جرى التطرّق إلى الضمانات الأمنية لأوكرانيا ولأوروبا بأسرها. وكان من المتوقع أن ينضمّ روبيو إلى المحادثات، لكنه ألغى مشاركته في اللحظة الأخيرة بسبب "تعارض في المواعيد"، فيما اعتبر ترامب أن زيلينسكي سيفوّت فرصة عظيمة لتحقيق السلام إذا لم "يتحرّك"، مدعيًا أن روسيا تريد التوصل إلى اتفاق.
وكشف أمين مجلس الأمن والدفاع الوطني الأوكراني رستم أوميروف أنه من المقرّر أن تُعقد يومَي الثلثاء والأربعاء المقبلين الجولة الجديدة من المفاوضات الثلاثية بين أوكرانيا وأميركا وروسيا في جنيف، مؤكدًا أن الوفود الأوكرانية بدأت بالفعل الاستعدادات لهذا الاجتماع، في حين أوضح الكرملين أن الوفد الروسي سيترأسه المستشار في الكرملين فلاديمير ميدينسكي. وأفاد مصدر مطلع لـ "رويترز" بأنه من المتوقع أن يجري المبعوث الخاص للرئيس الروسي كيريل دميترييف، محادثات مع مسؤولين أميركيين في جنيف قريبًا، موضحًا أن دميترييف، الذي يرأس الجانب الروسي في مجموعة العمل الروسية - الأميركية المعنية بالقضايا الاقتصادية، لن ينضمّ إلى الوفد الروسي الرسمي الذي من المقرّر أن يشارك في المحادثات الثلاثية.