بنيت صرحاً شق عنان السماء
وصنعت مجدًا تعمد بالدماء
إن تاريخ الإنسانية من أوائلها إلى حواضرها لا يملك للعاملين جزاء غير حسن التقدير وصدق القياس لما عملوه.
وكذلك التاريخ بالقياس إلى الإنسانية في مجملها لا تكون شيئاً إن لم يكن تقديراً لما هو صادق أو كاذب أو ما هو صواب أو خطأ والفرق كبير بين التقدير والقدرة وبين التعظيم والعظمة. قد يقال إن هذا الرجل موصوف بالقدرة لأنه مقتدر على الوصول إلى مقاصده، أما إذا وصف بالعظمة فإنما يوصف بها لفضل يقاس بالمقابيس الإنسانية، والناس تقدر الإنسان بمقداره عظيماً أو غير عظيم كما تقدر الأشياء بمقاديرها.
من هنا فإن عظمة الإنسان لا تقاس فقط بقوته ولا بثروته المادية ولا بقدراته بل بالمثال الذي رسمه للناس ومدى تأثير طموحاته وأفعاله فيهم، أقول قولي هذا لأعود بالذاكرة إلى ثمانينات القرن الماضي لتلقي نظرة على وضع لبنان في تلك المرحلة السوداء والدور الكبير الذي قام به الرئيس الشهيد في تحقيق الأمن والسلام وما تركه من أثر لن يمحى وارث باق بعد غيابه القسري منذ العام ۲۰۰٦. كان لبنان غارقاً في بحر من الدماء، فالسلاح في كل مكان والموت يلاحق الناس على الطرقات لا يفرق بين من يقتل داخل الدار أو على أبواب الأقران، بلد معرق وكيان مهدد بالزوال وقرار مصادر من كل الجهات....
باختصار دولة منسية غائبة عن السمع لا يسمع فيها إلا العويل والصراخ وأصوات الغربان تنعق ليل نهار، ومما زاد في شدة الأعصار دخول إسرائيل إلى خط النار وما تلاه من خراب ودمار وإمعان في القتل والذبح حتى بات لبنان على وشك الانهيار.
في هذه الأجواء التي كانت تنذر بكل الاحتمالات أطل رفيق الحريري كنسمة هواء عليل في ليل صيف حار في الوقت الذي كانت فيه البلاد بحاجة إلى بطل مغوار ....
وجاءت اللحظة الحاسمة في العام ۱۹۸۹ ذلك العام المضئ الذي أضاء قلوب اللبنانيين بالأمل والرجاء وشهد ولادة وثيقة الطائف التي وضعت حداً للإقتتال ورسمت الإطار العام للمبادئ والإصلاحات الأساسية للنظام السياسي والدستوري ووضعت لبنان في دائرة السلام.
وبدأت مسيرة لبنان تشق طريقها بنجاح بعد أن بدأ تطبيقها والتي أكدت رغبة اللبنانيين للخلاص من الحرب العبثية ومحنتها وتأكيداً لرغبتهم في العيش المشترك إضافة إلى مساهمة الأخوة العرب وعلى راسهم الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية لتحقيق سلام آمن ودائم وإعادة الحياة والروح إليه.
ويسجل للرئيس الشهيد بأحرف من نور كل العرفان والتقدير لما قام به من إصلاحات وإنجازات وفي تحقيق الأمل المنشود والأعمال التي ستبقى شاهدة على الإرادة الصلبة والإيمان النابض بحب الوطن.
بهذه الأعمال وعلى رأسها مشروعه الإنمائي الاقتصادي وغيرها من الأعمال الخالدة إن دلت على شيء فإنما تدل على عظمة هذا الإنسان وتفاعله مع شعبه الذي أحبه والخط الذي رسمه لهم أوصلته إلى الدرجة التي لا يبلغها إلا العظماء.
إلى جانب كل ما حققه الوظته والشعبه من إنجازات عرف رفيق الحريري بموافقة المعتدلة ونبذه التطرف والتقوقع المذهبي وكان صوته صوت العقل والحكمة، وبهاتين الصفتين أراد أن يؤسس دولة حديثة قوية ينعم بها اللبنانيون بالعدالة والمساواة.
من أجل كل هذه الصفات أراد المجرمون وقف مسيرته وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء ليجعلوا من لبنان ساحة مستباحة.
لم يستطع هؤلاء القتلة طمس صورته ولا خلق صوته بالموت لأن موت العظيم ليس سكوناً هامداً بل هو خروج الحركة من مركزها لتنتشر في رجال أحياء كثيرين.
وبعد... على اللبنانيين من كل الطوائف والمناطق أن يدركوا الخطر المحدق بهم ويبلدهم وينظروا إلى المستقبل بروح المسؤولية وعليهم أن يتوحدوا من أجل هدف واحد هو الحفاظ على الجمهورية.
ويتعظوا من الماضي القريب الذي كاد يطيح بها.
إحدى وعشرون سنة مضت على غياب الرجل الكبير كما تمضي الأحلام في أجفان النائمين ولا يزال الصوت يشق عنان السماء يناجي رب العالمين ويهيم بحب الإله وترتفع التراتيل مع أصوات المؤذنين إن هذه مشيئتكم في لبنان شاءها رب العالمين. لا تتفرقوا ولا ترتهنوا واعتصموا بحبل الوحدة أجمعين.
یا شهید لبنان لك منا السلام والشوق والمحبة والامتنان فعسى أن تكتمل بك وبقافلة الشهداء الذين ساروا على خطاك فاتورة العزة والكرامة والسيادة والاستقلال ليبقى لبنان.....
وليبقى الإنسان في لبنان.
صحافي