بصراحة، التقدّم التكنولوجيّ أمرٌ جدير بالإعجاب. في الواقع، الجميع معجب به، أما غير المعجبين، فيُشتبه فيهم عادةً بأنهم يعيشون في الكهوف، أو أنهم ما زالوا يكتبون بالريشة، أو أسوأ من ذلك، أنهم يُفكّرون قبل أن يُقدموا على أيّ فعل. اليوم، التقدُّم لا يُناقش بل يُصفق له، ويُفضل أن يكون ذلك وقوفًا من دون استخدام اليدين، لأنهما في بقية الوقت مشغولتان بالبحث عن كلمة مرور. ولأن التقدُّم وفى بجميع وعوده، فقد وعدنا بحياة أبسط وأسرع وأكثر سلاسة، والنتيجة؟ أصبحنا نقضي أيّامنا في الانتظار، والنقر، وإعادة التشغيل، والتأكّد من أننا لسنا روبوتات، على الرغم من أننا بدأنا نشكّ بذلك بشدّة.
في الماضي، كانت للشيء وظيفة واحدة فقط. كان يؤدّي ما يُطلب منه، ثمّ يصمت. أمّا اليوم، فالشيء الحديث متعدّد المهام، لا يؤدي أيّ أمر على أكمل وجه، ولكنه يؤدّيه بثقة. لنأخذ التلفزيون كمثال: كان يُستخدم فقط لمشاهدة التلفزيون. الآن، يُعلِمنا التطبيق بأنه غير متصل بالإنترنت، ويوبّخنا لعدم قبولنا الشروط والأحكام الجديدة، ويُقدِّم لنا تحديثًا عاجلًا أثناء نشرة الأخبار.
التقدّم أيضًا، هو هذه القدرة المذهلة على تحويل فعل بسيط إلى طقوس معقدة. تشغيل أضواء البيت، على سبيل المثال. سابقًا، كان الأمر يتطلّب كبسة على مفتاح. الآن، القصة قصة تطبيق (App): علينا إنشاء حساب، والموافقة على تخزين عادات الإضاءة الخاصة بنا على خادم في مكان ما من هذا العالم الفسيح، ثم نكتشف أن الضوء لم يعد يعمل عند انقطاع شبكة "الواي فاي"، لكن فلنطمئنّ، كلّ هذا من أجل راحتنا.
أوامر مدام عنكبوت
يُقال لنا إن كل شيء أصبح "ذكيًّا". الثلّاجة، والساعة أيضًا، والهاتف كذلك. ذكاء جماعيّ مُذهل، إذ لا يعمل أيّ من هذه الأشياء دون مساعدة بشريّة مستمرّة. أمّا البشر، فعليهم قراءة الشروحات لفهم كيفية إطفاء ما قاموا بتشغيله عن طريق الخطأ.
التقدُّم يحبّ السّرعة. كلّ شيء أسرع إلّا ما يهمّ: تصل رسائل البريد الإلكتروني فورًا، لكننا لا نتلقى ردًّا إلّا بعد ثلاثة أيام. كأنها رحلة استكشافيّة. في العالم هناك في البعيد، وسائل النقل فائقة السرعة تصل في الوقت المحدّد، أمّا عندنا فالتنقل أصبح حلمًا غامضًا يُحكى عنه في القصص والروايات. والوعود بأن الإجراءات الإدارية كلّها إلكترونية بالكامل، ما يعني أننا نستطيع حفظ مستنداتنا من المنزل، هذا لو تمكّنا أولًا من البقاء متصلين بالإنترنت والكهرباء، أو إذا تمكّنت الإدارات المختلفة من ضمان تأمين وضع المستندات المطلوبة على "السيّدة عنكبوت".
تهديد مبطّن
كما أن شركة "بروغرس" تُحبّ أن تُشعرنا بأننا نُساهم في تطويرها، فهي تسألنا عن رأينا في كلّ شيء. "هل أنت راضٍ؟"، سؤال يظهر بشكل روتينيّ بعد كلّ تجربة سيّئة. الشاشة مُعطّلة، والخدمة معدومة، والانتظار لا ينتهي، لكن السؤال يبقى مليئًا بالأمل. نتردّد، إذ إن منحها نجمة واحدة سيكون مُخادعًا، ومنحها خمس نجوم سيكون مُبالغًا فيه. في النهاية، نُغلق النافذة، وهو ما يُفسَّر على الأرجح على أنه حماس فاتر.
كذلك، حسّن "السيّد تقدُّم" التواصل، إذ صار باستطاعتنا التحدّث مع الجميع، طول الوقت. وهذا يُفسِّر لِمَ لم يعد أحد يُصغي لأحد، وأصبحت المحادثات أكثر تواترًا، لكنها أقصر وأكثر غموضًا وأسرع. لم نعد نقول: "أراك قريبًا"، بل: "سأبعث لك رسالة صوتية"، كأنه تهديد مبطن.
عزلة تقدّميّة
لقد أعاد التقدُّم تعريف العزلة: نحن جميعًا متصلون، لكن كلٌّ منا يعيش وحيدًا، منحنيًا على شاشة تُطلعنا في الوقت الفعليّ على تفاصيل حياة الآخرين المثيرة. نستطيع متابعة حياة أشخاص نتجنبهم بحرص في الواقع، دقيقة بدقيقة. بفضل التقدُّم، نعرف ما يأكله الآخرون، ما يفكّرون فيه، وما يشعرون به، من دون الحاجة إلى تحمُّل وجودهم الجسديّ، وهذا بحدّ ذاته تقدُّم كبير. لم نكن يومًا أقرب من ذلك، ولم تكن لدينا أسباب كثيرة لتجنُّب بعضنا البعض الآخر، على أيّ حال، ليس إلى هذا الحدّ.
الجوارب المفقودة
ومن النجاحات العظيمة الأخرى للتقدُّم، أنه يوفِر لنا الوقت، أو هكذا يدّعي. لكن الغريب أن هذا الوقت المُوفَر غير موجود. لا بدّ أنه مُخزن في مكان ما، ربما في نفس مكان الجوارب المفقودة ووعود الانتخابات. فالبشرية لم تمتلك يومًا هذا الكم من الأدوات المصمَّمة ظاهريًا لتوفير الوقت، ولم تكن يومًا بهذا القدر من الإرهاق.
التقدُّم لا يسمح بالارتجال، ينبغي التخطيط لكلّ شيء، وتوقعه، وتأمينه. لشراء تذكرة، علينا التسجيل. وللتسجيل، علينا تأكيد هوياتنا. ولتأكيد هوياتنا، علينا إثبات وجودنا، ويُفضَل أن يكون ذلك بوثيقة يرفض النظام الاعتراف بها. في هذه المرحلة، نتوق إلى الأيام التي كانت فيها ابتسامة بسيطة كافية لإقناع أيّ مسؤول.
مدرسة الصبر
حتى ارتكاب الخطأ أصبح معقدًا! في السابق، كان الخطأ بسيطًا ومباشرًا. أمّا الآن، فالخطأ الذي نرتكبه أكثر إحراجًا. فقد استُبدل الخطأ البشري بعطل تقنيّ، لا يمكننا فعل شيء حياله سوى انتظار ظهور رسالة توضح أن "شيئًا ما، لم يعمل كما هو متوقع". لقد توقع التقدُّم ما لم يكن متوقعًا، لكنه لم يُصلحه.
يهتمّ التقدُّم أيضًا بأمننا اهتمامًا بالغًا، فهو يحمي بياناتنا بشراسة، لدرجة أننا أول من يفقد الوصول إليها. يتطلّب الأمر ثلاثة رموز وتأكيدَين، ثمّ التعرُّف على الوجه للتحقُق من حساباتنا. لكن نقرة واحدة غير متقنة تكفي لإرسال كلّ شيء إلى شخص آخر. أخيرًا، أعاد التقدُّم ابتكار مفهوم المساعدة. في الماضي، كنا نتحدث إلى شخص ما. أما اليوم، فإننا نتحدث مع كيان مهذَّب لا يفهم شيئًا سوى الاعتذار بإسهاب. تشكرنا المساعِدة الحديثة على صبرنا قبل أن نتحلّى به، ثمّ تجعلنا نُمارسه بكثافة. يُقدِّم حلولاً آلية لمشكلات لا نُعاني منها، ويُعيد توجيهنا بثقة إلى صفحة زرناها ست مرات من قبل. في النهاية، لا نحصل على مساعدة، بل نهدأ... من شدّة الإرهاق.
"GPS" التنهّدات
لا يُمكن وصف التقدُّم بالجحود، فهو يُذكّرنا باستمرار بما يُقدّمه لنا. كلّ جهاز يُرسل لنا إشعارات تُخبرنا بأنه يعمل، ويُفكّر، ويُحدّث بياناته. نعيش مُحاطين بأشياء كثيرة الحركة، لا تفعل شيئًا من دون أن تُعلمنا بذلك.
لعلّ أجمل ما في التقدُّم هو الاعتماد عليه. لقد حرّرنا التقدُّم من أشياء كثيرة حتى أصبح لا غنى لنا عنه. لا أحد يعرف كيف يهتدي إلى وجهته من دون نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، أو يحفظ رقمًا، أو ينتظر من دون شاشة. نحن أحرار، شرط أن تكون بطارياتنا مشحونة. وإلّا، فسنجد أنفسنا فجأةً عرضةً للخطر مجدَّدًا، شبه بشريّين.
ومع ذلك، لا أحد يفكر جديًّا في العودة إلى الوراء. نتذمّر ونشكو، لكننا نواصل التحديث لأن للتقدّم، تلك الموهبة النادرة بتعقيد حياتنا وفي الوقت نفسه بإقناعنا بأنها ستكون أسوأ من دونه. يتقدّم ويتجاوزنا، ثمّ يراقبنا ونحن نتخلّف عنه، مُبرِّرًا ذلك بكونه لمصلحتنا.
لذا، فالتقدُّم ليس اختراعًا عديم الفائدة، بل ضروريًا. إنه يُضفي معنى على إحباطاتنا، ومضمونًا على أحاديثنا، وسببًا لتنهداتنا. بدونه، ماذا كنا سنفعل؟. كانت الأمور ستسير على ما يُرام، وستكون الإجراءات بسيطة... كم سيكون ذلك مُقلقًا.
لحسن الحظ، التقدُّم يراقب. إنه يُحضّر بالفعل للتحسين التالي، سيكون أسرع وأذكى وأكثر أهمية. وبالطبع، سيبسّط لنا كلّ شيء. سيفعل ذلك بعد تحديث بسيط!