بعد غيابٍ طال لهذا النوع من البرامج عن الشاشات اللبنانية، أطلّت الحلقة الأخيرة من "LET'S DABKE - يلا ندبك" كحدثٍ تخطّى حدود المنافسة التلفزيونية. لم تكن مجرّد أمسية لتتويج فرقة فائزة، بل مساحةً التقى فيها التراث بالإبداع على خشبة مسرحٍ واحد، في مشهدٍ احتفى بالهوية أكثر مما احتفى بالألقاب. وفي تلك الليلة تحديدًا، بدا واضحًا أن اللقب الحقيقي لم يكن من نصيب فردٍ أو فرقة، بل للدبكة نفسها؛ لهذا الفن الذي جمع الجميع تحت إيقاعه وارتقى فوق أي منافسة. وقد ظهر ذلك جليًّا في الكواليس، حيث سادت روح رياضية لافتة بين الراقصين. تمنيات متبادلة بالتوفيق، وابتسامات تخفي شيئًا من التوتر. الفرق كانت جاهزة جسديًّا، أما الأذهان فمشغولة برهبة العرض الأخير، حيث تصبح كل خطوة محسوبة، وكل حركة تختصر مسيرة 10 حلقات من التعب والالتزام. ومع ذلك، عمل كلّ فريق على تقديم أقصى ما لديه، وكأنها اللحظة التي لا تحتمل أنصاف المحاولات.
أما في الاستديو، فكانت الأجواء متفجرة بالحماس. جمهور واقف، يصفق ويهتف ويدعم فرقته حتى اللحظة الأخيرة.
وفي مشهدٍ موازٍ لا يقلّ تأثيرًا عمّا جرى على المسرح، تجمّعت حشود كبيرة في برجا والعبادية وبعلبك والنبطية أمام شاشات عملاقة أُعدّت خصيصًا لهذه الليلة، فيما انتشر مراسلو "mtv" بين الناس ينقلون نبض الشارع لحظة بلحظة. صورة بدت كأنها تعيد كتابة مشهد "تقسيم الشاشة التلفزيونية" في الذاكرة اللبنانية، بعدما ارتبطت سابقًا بتغطية الحروب، فكانت المشهديّة هذه المرّة لتغطية الفرح وتوثيق الاحتفالات، ولحظة بهجة جمعت اللبنانيين تحت راية الدبكة.
الجوائز عكست بدورها تقديرًا ملموسًا من إدارة "mtv" للجهود المبذولة. فقد نالت الفرق التي حلّت بين المرتبة الرابعة والثانية مبلغ 15 ألف دولار لكلّ منها، فيما حصلت الفرقة الفائزة على 67 ألف دولار، موزعة بين 10 آلاف دولار نقدًا وباص بقيمة 57 ألف دولار مقدّم من شركة "رسامني يونس للسيارات"، إضافة إلى دعوة من جمعية "جبلنا" لتمثيل لبنان في "أيام الفولكلور العالمي" في مراكش. كما وُزعت جوائز فردية استنادًا إلى تقييم لجنة التحكيم، فحصد محمود صلح من "شمس بعلبك" لقب "أفضل لوّيح عراس الدبكة"، ولورا بو حمدان من فرقة "Fusion" لقب "أفضل راقصة"، ورباح فخر الدين من "الأصايل" لقب "أفضل راقص"، فيما نال إياد الملاعب من فرقة "العبادية" لقب "أفضل مصمّم رقص".
وفي اللحظة الحاسمة، لحظة إعلان كارلا حداد وطوني بارود النتائج، ساد الصمت المشوب بالتوتر، وحُبست الأنفاس، قبل أن تنفجر فرحة جمهور برجا في الاستديو وأمام الشاشة الكبيرة في منطقتهم. وهكذا تُوّجت "فرقة برجا للفنون الشعبية" بالمركز الأول، تلتها "العبادية" في المرتبة الثانية، أمّا "جذور" فحازت على المرتبة الثالثة، و "شمس بعلبك" حلّت رابعة، بعدما تجاوز التصويت الكثيف للفرق عتبة مليون شخص.
حين يجمع الفن...
إلى رئيس مجلس إدارة "mtv" الأستاذ ميشال المر، تميّزت الحلقة الختامية أيضًا بحضور رسمي شمل وزير الإعلام بول مرقص، ووزيرة السياحة لورا الخازن لحود، وعددًا من النواب.
الخازن أكدت لـ "نداء الوطن" أن الدبكة تشكّل ركيزة أساسية من التراث اللبناني وثروة ثقافية قادرة على جذب السيّاح، مشيرةً إلى أن تفاعل الشباب معها وتطوّرها المستمر يعززان حضورها المعاصر. وأثنت على دور "mtv" في تسليط الضوء على هذا الإرث من خلال المسابقة.
بدوره، رأى مرقص لـ "نداء الوطن" أن دور الإعلام يتجاوز الترويج السياحي والثقافي، على أهميته، ليصل إلى إحياء التراث وتعزيز التواصل بين المناطق اللبنانية، معتبرًا أن ما قدّمه البرنامج جسّد وظيفة الإعلام في وصل المجتمع بذاكرته الحيّة.
النائب هادي أبو الحسن شكر "mtv" على إظهار الوجه الحضاري والثقافي المتنوّع للبنان، معتبرًا أنها نجحت في جمع اللبنانيين حول الإنتاج والإبداع والفن والجمال والخير. النائب آلان عون اعتبر أن "mtv" جمعت لبنان كلّه وأعادت الإحساس بأنه بلد يقوم على العيش الواحد وقواسم مشتركة تجمع أبناءه. من جهته، رأى النائب فراس حمدان أن أهمية البرنامج تكمن في عكسه حقيقة الشعب اللبناني حيث يتنافس الجميع ويدعمون بعضهم لتقديم صورة الهوية الوطنية الجامعة. أمّا النائب بلال عبدالله فأكّد أن هذا البرنامج، بجهد "mtv"، إن دلّ على شيء فهو أن لبنان وشعبه لن يموتا.
الجميع خرج رابحًا
"فارس الغناء العربي" عاصي الحلاني الذي قدّم مجموعة من أغنياته بينها واحدة جديدة بعنوان "بلون الليل"، عبّر لـ "نداء الوطن" عن سعادته بالمشاركة في الحلقة الختامية من البرنامج الذي يكنّ له محبة كبيرة، متمنيًا أن ينجح في إسعاد الجمهور. واعتبر أن ما حققته القناة ليس سهلًا، إذ نجحت في إيصال الفولكلور والتراث اللبناني إلى كل بيت في العالم لافتًا إلى أنه بات يلاحظ إقبال الأطفال على تعلّم الدبكة في المدارس، واصفًا ذلك بالصورة الجميلة للبنان التي ينبغي تقديمها للعالم.
ورأى الحلّاني أن الفرق الأربع التي وصلت إلى المرحلة النهائية قدّمت مستوى مميزًا، معتبرًا أن كل من صعد إلى مسرح "LET'S DABKE" هو رابح، إذ إن المشاركة بحد ذاتها إنجاز، مشيدًا بالصورة الجميلة التي قدّمها الشباب، ولا سيما الفتيات الصغيرات اللواتي لفتنه بحيويتهنّ، ومتمنيًا التوفيق للجميع، مؤكدًا أن المنافسة تفرض فائزًا واحدًا، لكنهم جميعًا خرجوا رابحين.
إشارةً إلى أن مقدّم البرنامج طوني بارود أعلن عن نيّة قناة "mtv" إطلاق أكاديمية لتعليم الدبكة اللبنانية.
نجاح فاق التوقعات
البرنامج الذي أخرج حلقاته المخرج كميل طانيوس، وتولت إنتاجه ناي نفاع، مع فريق عمل محترف، ميّز الحلقات على مدار 11 أسبوعًا. نفاع أكدت لـ "نداء الوطن" أن ما تحقق فاق كل التوقعات، وأوضحت أن العمل جرى وفق المعايير العالية التي تضعها "mtv" على صعيد الإنتاج والمحتوى والصورة، مع سعي دائم إلى رفع السقف من برنامج إلى آخر. ولفتت إلى أن الأصداء عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبين الناس، عكست حجم الفرح والفخر الذي ولّدته الحلقات، إذ أضاء البرنامج على "لبنان الحلو" الغني بتراثه وشبابه وأهله، وأبرز وحدة الشباب اللبناني من مختلف المناطق، فتخطّى إطار برنامج تلفزيوني ليصبح "عرسًا لبنانيًا وطنيًا".
وأعربت نفاع عن رضاها عن النتائج، مؤكدة أن الحكم في النهاية للجمهور لأن البرنامج صُنع له، وآلية المنافسة اعتمدت غربلة دقيقة من لجنة التحكيم إلى أن بقيت الفرق الأفضل، وبالتالي فمَن فاز كان على المستوى المطلوب. واعتبرت أن الحديث عن مؤامرات، يتكرّر كلّما لم تُرضِ النتيجة الجميع، لكنه برأيها طرح غير قائم على أساس، إذ لا يمكن الوقوف ضد إرادة الناس ما دام البرنامج موجهًا لهم. وختمت بالإشارة إلى أن المواعيد ستتجدد في مواسم عديدة مقبلة، كما أوضحت أن القناة أبلغت الفرق منذ توقيع العقود أنها باتت بيتهم، وهي ستتولى تأمين الحفلات لهم ضمن إطار إنتاجي أوسع، على أن يُعلن عن المشاريع عند تبلورها وتحديد مواعيدها. وأكدت أن العمل بدأ فعليًّا لدعم الفرق في المهرجانات وتنظيم نشاطات داخل لبنان وخارجه بالتعاون مع السفارات، بما يساعدهم على التطوّر وتحسين أدائهم ومدخولهم.
كاتب نصوص الحلقات عماد موسى، أشار من جهته في حديث لـ "نداء الوطن" إلى أن عمله في برنامج "يلا ندبك" لم يكن مجرّد إضافة نوعية إلى مساره المهني، بل شكّل متعة أسبوعية لأكثر من سبب. فالدبكة المترافقة مع أغانٍ تسكن الذاكرة الجماعية تغويه وتلامس إحساسه، ما دفعه إلى ترجمة هذا الشعور نصًّا نابضًا بالحماسة والشغف. وأضاف أن العمل ضمن فريق متجانس يُشكّل متعة إضافية، مشدّدًا على أن مقدمَي البرنامج يتمتعان بقوة حضور، وقد ساد بينهما دائمًا تفاهم وانسجام. وختم بالتأكيد أن الأجمل هو وصول البرنامج إلى أوسع شريحة من اللبنانيين، مقيمين ومغتربين، وأن الأروع من ذلك كلّه هو الشعور بأن يكون جزءًا من هذا الفريق ومن هذا النجاح.
وهكذا، اختتم "LET'S DABKE - يلا ندبك" رقصته الأولى، فاتحًا الباب على مواسم أخرى مرتقبة تؤكّد تمسّك اللبنانيين ومعهم "mtv" بالهوية الوطنية اللبنانية من جيل إلى جيل.