في زمن الإنهيار الكبير، لا يبدو أنّ بعض القوى قد تعلّمت شيئاً. فبدل أن تمارس نقداً مسؤولاً أو تراجعاً ذاتياً صريحاً، اختار ما تبقّى من "التيار الوطني الحر" مجدداً أسلوب الهجوم الشعبوي، مصوّباً سهامه الغادرة نحو القوات اللبنانية ووزرائها على خلفية إقرار الحكومة زيادة واحد بالمئة على الـTVA وفرض رسم 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين.
المفارقة الفاقعة أنّ التيار يتصرّف وكأنّ "القوات" وحدها تجلس حول طاولة مجلس الوزراء، وكأنّ سائر الوزراء مجرّد شهود زور، وكأنّ رئيس الحكومة وباقي المكوّنات السياسية ورئيس الجمهورية خارج المعادلة. فجأة تصبح الحكومة "حكومة القوات"، وتختفي التواقيع الأخرى، وتتلاشى المسؤوليات المشتركة.
أي منطق هذا؟ وأي استخفاف بعقول اللبنانيين؟
القرارات المالية، شئنا أم أبينا، تُتخذ في مجلس الوزراء مجتمعاً. مَن صوّت؟ مَن وافق؟ مَن اعترض؟ هذه وقائع موثّقة. ومن الثابت أنّ وزراء القوات اللبنانية قد اعترضوا على القرار، وقد دُوِّن اعتراضهم صراحةً في محضر الجلسة، بما لا يترك مجالاً للتأويل أو المزايدة. لكن "التيار"، الذي يُجيد صناعة الروايات أكثر من صناعة الحلول، فضّل الهروب إلى الأمام، باحثاً عن خصمٍ يُعلّق عليه فشل السياسات المُزمنة التي أوصلت البلاد إلى حافة الإفلاس وحالة الإنهيار.
الأدهى أنّ مَن يرفع اليوم لواء الدفاع عن المواطنين هو نفسه مَن كان شريكاً أساسياً في السلطة طوال سنوات الإنهيار. ففي عهد رئيسهم ميشال عون، انهارت العملة، تبخّرت الودائع، أقفلت المؤسسات، وهاجر الشباب. يومها لم نسمع هذا الصراخ المفتعل ولا هذا الحرص المصطنع ولا هذه الغيرة المفاجئة على جيوب الناس. يومها كانت السياسات تُبرَّر، والتعيينات تُمرَّر، والتحالفات تُقدَّس، ولو على حساب الدولة ومؤسساتها.
من حق أي حزب أن يُعارض زيادة ضريبية، ومن حقه أن يصوّت ضدّها ويشرح موقفه للرأي العام. لكن ليس من حقه أن يتنصّل من حقيقة أنّ الحكومة تتخذ القرارات بالأكثرية الوزارية، وأن القرارات لا تُفصّل على قياس وزير واحد أو حزب واحد. وليس من حقه أن يتصرّف وكأنّ ذاكرة اللبنانيين قصيرة إلى هذا الحد.
المشكلة ليست في ضريبة هنا أو رسم هناك فحسب، بل في ثقافة سياسية تقوم على تحميل الآخر كل الأوزار، والتنصّل من أي مسؤولية ذاتية. المشكلة في عقلية تعتبر أنّ الحُكم عندما يكون في يدها هو "إنجازات"، وعندما يكون القرار صعباً فهو "جريمة" يرتكبها الآخرون.
إذا كان "التّيار" يريد فعلاً محاسبة، فليبدأ بمراجعة تجربته في الحكم، من الكهرباء إلى المالية العامة إلى السدود، إلى إدارة الأزمات وغيرها الكثير. وليُجب اللبنانيين بصدق، ماذا فعلتم يوم كنتم تمسكون بمفاصل القرار؟ وكيف هُدرت أموال الناس؟ وكيف أُديرت الدولة؟
أمّا تحويل كل قرار غير شعبي إلى مناسبة لتصفية الحسابات السياسية، فهو دليل عجز لا دليل حرص. اللبنانيون لم يعودوا يصدّقون مسرحيات توزيع الأدوار. يعرفون جيدًا مَن شارك في السلطة، ومَن صمت، ومَن برّر، ومَن هلّل.
الهجوم "الذبابي" قد يرفع منسوب التصفيق الحزبي لبعض الوقت، لكنه لا يُغيّر الحقائق. والحقائق تقول إن مَن كان في قلب السلطة مُمسكاً بمفاصلها لا يستطيع اليوم أن يتقمّص دور المتفرّج البريء.
نعم، لبنان يحتاج إلى صدقٍ وشجاعة ورجال دولة، لا إلى خبراء في التضليل والإفتراء والدجل... والسلام.
رئيس دائرة الإعلام الداخلي وعضو المجلس المركزي في حزب "القوات اللبنانية"