باريس
في الجولة الثانية من المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران في جنيف، بدا المشهد الدبلوماسي مختلفًا عن محطات سابقة. فبينما كانت العواصم الأوروبية جزءًا من المسار التفاوضيّ عند توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015، أي الاتفاق النووي الإيراني، جاءت هذه الجولة بلا حضور رسميّ للاتحاد الأوروبي أو لدول الترويكا الأوروبية (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا). غياب يطرح تساؤلات حول دلالاته وحدوده، لكنه لا يعني بالضرورة خروج أوروبا من المعادلة.
استبعاد أوروبا من الطاولة التفاوضية الحالية يعكس، في جانب منه، رغبة أميركية في اختبار مسار تفاوضيّ أكثر مباشرة وأقلّ تعقيدًا من حيث عدد الأطراف. كما يعكس محاولة لتسريع النقاش حول "سقف التنازلات" الممكنة من الجانب الإيراني، ومدى استعداد واشنطن لتقديم تخفيف ملموس للعقوبات.
غير أن هذا الغياب لا يعني أن الأوروبيين في موقع المتفرّج القَلِق، بل تشير أوساط دبلوماسية إلى أن بروكسل وبعض العواصم الأوروبية تتعامل ببراغماتية مع التطوّرات، انطلاقًا من قناعة أساسية: أيّ اتفاق لن يصبح قابلًا للتنفيذ الكامل من دون إشراكها بشكل أو بآخر. هناك سببان رئيسيان يمنحان الأوروبيين هذا الهامش من الطمأنينة.
أوّلًا: جزء من الأصول والأموال الإيرانية المجمّدة موجود في مصارف أوروبية أو يخضع لإجراءات قانونية أوروبية. وبالتالي، فإن أيّ اتفاق ينصّ على الإفراج عن هذه الأموال أو إعادة إدماج إيران ماليًا في النظام المصرفي الدولي، يتطلّب قرارات وإجراءات أوروبية مباشرة، سواء على مستوى الحكومات أو مؤسّسات الاتحاد.
ثانيًا: إلى جانب العقوبات الأميركية، فرض الاتحاد الأوروبي سلسلة واسعة من العقوبات الخاصة به على إيران، وهي عقوبات مستقلة قانونيًا عن النظام العقابي الأميركي. وتشمل هذه العقوبات: تجميد أصول مالية لأفراد وشركات إيرانية، وقيود مصرفية ومالية تحدّ من تعامل البنوك الأوروبية مع نظيراتها الإيرانية، وحظر السفر على مسؤولين وشخصيات مرتبطة بمؤسّسات رسميّة، وعقوبات على كيانات صناعية وتجارية، بما في ذلك شركات مرتبطة بقطاعي الطاقة والبتروكيماويات، وقيود على تصدير التكنولوجيا والمعدات ذات الاستخدام المزدوج، المدني والعسكري، فضلًا عن إجراءات مرتبطة بحقوق الإنسان استهدفت مسؤولين في الأجهزة الأمنية والقضائية.
هذه الحزمة المتنوّعة والقاسية من العقوبات تعني عمليًا أن رفع العقوبات الأميركية وحده لا يكفي لتحقيق مطلب طهران الأساسي بإعادة التطبيع الاقتصادي. فأيّ اتفاق مستقبلي ينصّ على رفع العقوبات لن يصبح نافذًا بالكامل ما لم تُرفع أيضًا العقوبات الأوروبية أو يُعاد تعليقها بآليات قانونية واضحة.
رغم غيابها عن طاولة جنيف، تحتفظ أوروبا بأوراق ضغط مهمة. فهي شريك تجاريّ محتمل لإيران في حال رفع القيود، وسوق رئيسية للطاقة، كما أنها لاعب أساسي في النظام المالي العالمي. ومن دون قرارات أوروبية موازية، سيظل أي اتفاق أميركي - إيراني ناقص الأثر.
في المقابل، تدرك واشنطن أن إشراك الأوروبيين في مرحلة التنفيذ قد يكون ضروريًا لضمان استدامة أي تفاهم. كما تدرك طهران أن عودتها إلى الأسواق الأوروبية تمثل مكسبًا استراتيجيًا لا يقلّ أهمية عن تخفيف العقوبات الأميركية.
قد يكون غياب أوروبا في هذه المرحلة تكتيكيًا أكثر منه استراتيجيًا. فالمفاوضات الثنائية أو غير المباشرة قد تفضي إلى "إطار تفاهم" أوّلي، لكن تحويله إلى اتفاق قابل للتطبيق اقتصاديًا وماليًا سيعيد الأوروبيين إلى الواجهة.
هكذا، تبدو أوروبا اليوم خارج غرفة التفاوض، لكنها ليست خارج المعادلة. فبين الأموال المجمّدة، والعقوبات المستقلّة، والقدرة على فتح أو إغلاق أبواب النظام المالي، تبقى بروكسل لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية دائمة بين واشنطن وطهران.