لا يمكن النظر إلى رواية "سامي هاني خواجة" للكاتبة اللبنانية لورا مقدسي* بوصفها مجرّد عمل أدبي يتناول انفجار مرفأ بيروت، كما لا تستقيم قراءتها على كونها حكاية رجل عالق تحت الأنقاض ينتظر مصيره بين النجاة والهلاك. فما تقترحه الرواية أعمق من ذلك بكثير، إنها كتابة من داخل العطب نفسه ومن قلب لحظة بلغ فيها التاريخ اللبناني درجة قصوى من التعرّي الأخلاقي والإنساني. هنا، لا يُستعاد الانفجار كحدث، بل يتحوّل إلى شرط للقول، وإلى لحظة تفرض على اللغة أن تنفجر بدورها كي تواكب ما انكشف.
منذ الصفحات الأولى، يجد القارئ نفسه في قعر معتم، جسد محاصر بثقل خانق، ووعي مطوّق بذاكرة لا تعرف السكون. "سامي" لا يستغيث، ولا يطلب العون، بل يفتح جرحه الداخلي بلا مواربة، كأن ما تهشم في داخله كان أسبق وأعمق من أي دمار مادي.
ما يعيشه البطل لا يُقدَّم كحالة طارئة فرضتها الكارثة، بل كامتداد ملموس لمسار طويل من الانكسار. الجسد المحاصَر ليس سوى صورة مكثفة لذاتٍ مثقلة بالخيبات، بالعجز، وبإحساس دائم بأن الحياة كانت تتآكل ببطء قبل أن تبلغ لحظة الانهيار الكبرى. في هذا الوضع الحَرِج، يفقد الزمن انتظامه، تختلط الذكريات بالكوابيس، ويغدو التنفس فعل مقاومة صامتة. عند هذه النقطة، يتبدل السؤال الجوهري: ليس كيف نجا "سامي"، وإنما كيف واصل العيش كل تلك السنوات وهو يتدرّب من دون وعي، على هذا الاختناق المؤجَّل.
رجل على الحافة
لا تقدِّم الرواية الصادرة حديثًا عن "دار الآداب"، بطلًا تقليديًا، ولا تسعى إلى تلميع شخصية مركزية. "سامي هاني خواجة" رجل مهزوم، متعب، مأخوذ بنزعة تدمير ذاتي، يعيش حياته كما لو كانت عبئًا مؤجَّل الدفع. لا يدّعي القوة، ولا يتقن لغة البطولة، بل يواجه ضعفه بسخرية سوداء واعتراف جارح.
في حالته البينيّة المعلّقة بين الحياة والموت، يعود الرجل إلى مسار حياته كما لو كان يتفقد بقاياه قطعةً قطعة. لا حنين هنا، بل محاولة متأخرة للفهم كيف تراكَم هذا الفراغ؟ كيف صار الجسد والروح في هذا العراء؟ وهل ما يعيشه استثناء فرديّ أم نتيجة منطقية لتاريخ طويل من القهر الشخصي والجماعي؟ هكذا، تكتب الرواية الإنسان لا بوصفه ضحيّة لحظة، بل باعتباره نتاج مسار متراكم من الانكسارات.
الأب الغائب
يخيّم ظلّ الأب، "هاني خواجة"، على الرواية كلّها. الأب المثقف، المفكِّر، الذي اختُطف خلال الحرب اللبنانية واختفى بلا أثر، يتحوّل إلى جرح مؤسِّس في حياة "سامي". غياب الأب ليس فقدًا عاطفيًا فقط بل هو انقطاع في المعنى، انهيار مبكِّر لفكرة العدالة وتشكيك جذريّ في أيّ سرديّة وطنيّة.
"هاني خواجة" ليس شخصيّة غائبة، بل إنه حضور فكريّ وأخلاقيّ دائم. أفكاره، كتبه، تنبّهاته المبكِّرة لانهيار النظام، كلّها تعود في وعي الابن كنوع من النبوءة المتحققة. كأنّ انفجار المرفأ، في عين "سامي"، ليس سوى الفصل الأخير في كتاب كان أبوه قد بدأ كتابته منذ عقود.
غياب الأب في الرواية ليس فراغًا، بل هو حضور ثقيل يفرض منطقه على الحاضر. "هاني خواجة" لا يعود كشخصية مستعادة، بل كمرجعيّة أخلاقيّة مكسورة، وكشاهد لم يُسمع صوته في حينه. اختطافه لم يقطع سيرة عائلية فحسب، بل دشن زمنًا من الارتياب الدائم بكل ما هو رسميّ، وبكلّ خطاب يدّعي الحماية أو العدالة. كأن الابن، وهو يحفر في ذاكرته تحت الركام، يكتشف أن ما دُفن حقًا ليس الأب وحده، بل فكرة الدولة، وفكرة الأمان، وفكرة أن يكون للمصير معنى واضح.
الأم والانتظار
في مقابل الأب الغائب، تقف الأم "وداد"، امرأة الانتظار الطويل. ليست أرملة، ولا زوجة، بل كائن معلّق بين حالتَين، يعيش في زمن متجمّد. تمثل "وداد" آلاف الأمهات والزوجات اللواتي بقين على هامش الحياة، يراقبن الزمن وهو يمرّ من دون أن يمنحهن إجابة.
لا تتعامل الرواية مع "وداد" بوصفها شخصية ثانوية، إنما بوصفها ذاكرة حيّة، وضميرًا صامتًا. انتظارها ليس فعل ضعف، بل شكل آخر من أشكال المقاومة الصامتة، مقاومة النسيان، ومقاومة القبول بما لا يُحتمل.
المدينة كجسد
لا تظهر بيروت كخلفية محايدة للأحداث، بل كجسد مثخن. الأشرفية، المرفأ، الشوارع، البيوت، تتحول إلى أعضاء مصابة في مدينة فقدت قدرتها على الاحتمال. ما حدث لا يدمِّر الحجر وحده، بل يكشف هشاشة مدينة كانت تعيش منذ زمن طويل على حافة السقوط.
تقرأ الرواية انفجار 4 آب بوصفه نتيجة منطقية لمسار طويل من الفساد والإهمال واللاعدالة. لا عنصر مفاجأة هنا، بل لحظة انكشاف كبرى، كأن المدينة كانت تحمل بذور سقوطها في بُنيتها قبل أن يظهر ذلك إلى العلن.
السجن والسلطة
تستعيد الرواية تجربة "سامي" في السجن إثر توقيفه العبثيّ في المطار، باعتبارها لحظة مفصليّة في تشكّل وعيه. يأتي السجن كتجسيد مكثف لعلاقة الفرد بالدولة، دولة تشكّ بدل أن تحمي، وتُهين بدل أن تُنصف.
هذا الفصل يعمّق الإحساس باللاجدوى، ويعيد وصل مصير الابن بمصير الأب. السجن هنا مرآة مصغرة لوطن تحوّل إلى فضاء عقابي واسع، حيث يُدان الأفراد لا على أفعالهم، بل على ضعفهم.
الحب كَوَهم
الحبّ في الرواية ليس خلاصًا، بل وَهْم جميل سرعان ما يتبخر. إذ إن علاقات "سامي" العاطفية، من "داليا" إلى غيرها، تأتي ناقصة، مبتورة، عاجزة عن ترميم ما تهدّم في الداخل. الحب هنا لا يُنقذ، لأنه نفسه مصاب، قابل للكسر، خائف.
كأن "سامي" لا يفشل في الحب لأن النساء يخذلنه، بل لأنه عاجز عن الإيمان بإمكانية الاستمرار، في بلد علّمه أن كل شيء موقت، وكل ارتباط مشروع فاجعة مؤجلة.
اللغة كنجاة
لغة الرواية كثيفة، شعرية، متدفقة، تشبه تيار الوعي، لكنها ليست زائدة أو متباهية. الجمل طويلة، متوترة، مشبعة بالأسئلة، وكأن اللغة نفسها تحاول أن تتنفس تحت الركام. لا تسعى الكاتبة إلى التجميل، بل إلى الصدق، حتى في أقسى اللحظات. هنا، لا تعمل اللغة كأداة سرد فحسب، بل كوسيلة نجاة موقتة، إذ ما دام الصوت حاضرًا فالموت لم يحسم أمره بعد، وما دامت الكتابة مستمرة فثمّة شاهد يرفض الصمت.
مدينة بلا ذاكرة
بيروت في هذا النص لا تُرثى، بل تُدان. لا تبدو المدينة ضحية بريئة، بل شريكة صامتة في إنتاج الكارثة، مدينة اعتادت التعايش مع التشققات، وتأجيل الانهيار، وتطبيع الهاوية. الانفجار لا يوقظ الذاكرة، بل يفضح غيابها، يبيّن كيف يمكن لمدينة أن تنسى موتاها بسرعة، وأن تمشي فوق ركامها كأن شيئًا لم يكن. بهذا المعنى، تصبح الكتابة فعل مقاومة أخيرًا ضد النسيان، ومحاولة يائسة لإنقاذ ما تبقى من المعنى قبل أن يُسوّى كل شيء، مرّة أخرى، بالأرض.
لا تمنح الرواية القارئ نهاية مطمئنة. لا خلاص واضح، ولا وعد بالشفاء، لأن السؤال الحقيقي لا يتمحور حول نجاة فرد، بل حول معنى النجاة في بلد يستهلك أبناءه ببطء. "سامي هاني خواجة" رواية عن رجل تحت الأنقاض، نعم، لكنها أكثر من ذلك، إنها رواية وطن بأكمله عالق في عتمته، يحاول أن يتذكر كيف وصل إلى هنا، وما إذا كان النهوض ما يزال ممكنًا.
لورا مقدسي، كاتبة وشاعرة وصحافية لبنانية، وهذه الرواية هي إصدارها الرابع
