احتضن "معهد دونالد جيه ترامب للسلام" في واشنطن أمس، الاجتماع الأول لـ "مجلس السلام" برئاسة الرئيس دونالد ترامب وبمشاركة قادة وممثلين من نحو 50 دولة، منها 27 دولة أعضاء في المجلس، فيما حضرت الدول الأخرى المشاركة في الاجتماع، مثل بريطانيا وألمانيا وفنلندا والنرويج وإيطاليا وبولندا وجمهورية التشيك وكرواتيا وسويسرا واليابان وكوريا الجنوبية والهند وتايلاند وعُمان، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، بصفة مراقب، في حين لم تشارك إطلاقًا دول مثل فرنسا ونيوزيلندا والفاتيكان، معربة عن مخاوفها من أن يحل "مجلس السلام" مكان الأمم المتحدة.
تمكّنت واشنطن من خلال خطة ترامب الخاصة بغزة حتى الآن، من التوصل إلى اتفاق لوقف النار في القطاع والإفراج عن الرهائن الإسرائيليين، لكن المعضلتين الرئيسيتين أمام إعادة إعمار غزة المتمثلتين بنزع سلاح "حماس" والفصائل الفلسطينية الأخرى، وإرساء حكم مستقرّ بديل في القطاع، بعيدتان من الحل، في ظلّ تمسّك "حماس" بسلاحها وسلطتها في المناطق غير الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في القطاع، ما يشكل التحدّي الأساسي أمام نجاح "مجلس السلام" في مهمّته.
كشف ترامب خلال الاجتماع أن أميركا ستُسهم بمبلغ 10 مليارات دولار في "مجلس السلام"، كما أعلن أن الإمارات والسعودية وقطر والبحرين والكويت والمغرب وكازاخستان وأذربيجان وأوزبكستان، قدّمت أكثر من سبع مليارات دولار لدعم جهود الإغاثة في غزة. ولفت إلى أن الأمم المتحدة تجمع ملياري دولار لدعم غزة، مشيرًا إلى أن النرويج ستستضيف فعالية تجمع "مجلس السلام"، كما ذكر أن اليابان ستستضيف أيضًا فعالية لدول المنطقة لجمع التبرّعات. وأبدى اعتقاده بأن الصين وروسيا ستشاركان في الجهود، لكن وُجّهت دعوة إلى البلدين للانضمام إلى "مجلس السلام" ولم يفعلا ذلك.
ووقع ترامب والقادة والممثلون المشاركون في الاجتماع، وثائق مساهمات الدول المالية. وأوضح ترامب أنه يتصوّر أن يكون "مجلس السلام" مشرفًا على الأمم المتحدة، وأن تشمل مهامه نزاعات أخرى. وصرّح بأن إندونيسيا والمغرب وألبانيا وكوسوفو وكازاخستان، تعهّدت بإرسال قوات وشرطة لتحقيق الاستقرار في غزة، لافتًا إلى أن مصر والأردن "تقدّمان كذلك مساعدة كبيرة جدًا، من قوات وتدريب ودعم لقوة شرطة فلسطينية موثوقة للغاية". وشدّد على أن "الحرب في غزة انتهت و"حماس" ستسلّم السلاح كما وعدت وإلّا ستتم مواجهتها بقساوة"، معتبرًا أن "العالم الآن ينتظر "حماس" وهذا هو العائق الوحيد أمامنا".
وأوضح قائد قوة الاستقرار في غزة الجنرال الأميركي جاسبر جيفرز أن تدريب القوات، إلى جانب قوة شرطة فلسطينية، سيجري في مصر والأردن. وبينما لم يقدّم جيفرز تفاصيل في شأن عدد القوات التي تعهّدت بها كل دولة أو موعد نشرها، ذكر أن قوام قوة الاستقرار الدولية سيبلغ في نهاية المطاف 20 ألف جندي يعملون إلى جانب 12 ألف شرطي فلسطيني. وأكدت إندونيسيا التزامها بتقديم 8000 جندي أو أكثر للمشاركة في قوة الاستقرار، كما أبدت تركيا استعدادها للإسهام في القوة.
وأكد المستثمر الملياردير مارك روان، عضو اللجنة التنفيذية لـ "مجلس السلام"، أن إعادة الإعمار ستبدأ في مدينة رفح، موضحًا أنه جرى التخطيط مبدئيًا لبناء 100 ألف منزل لإيواء 500 ألف شخص، أي نحو ربع سكان غزة، إضافة إلى بنى تحتية بقيمة خمسة مليارات دولار. وذكر أنه "على المدى الطويل" يُخطط لبناء 400 ألف منزل جديد لكامل سكان غزة، مع مشاريع بنى تحتية بقيمة 30 مليار دولار، إلّا أنه لم يقدّم جدولًا زمنيًا لبدء أعمال البناء، لافتًا إلى أن "هذه ليست مشكلة أموال أو ضمانات، هذه مشكلة سلام".
إسرائيليًا، اعتبر وزير الخارجية جدعون ساعر الذي مثل إسرائيل في الاجتماع أنه "منذ أن سيطرت "حماس" بالقوة على غزة عام 2007، بنت أكبر دولة إرهابية في العالم، مع بنية تحتية إرهابية ضخمة فوق الأرض وتحتها، وكان 7 أكتوبر مجرّد ذروة الحملة الإرهابية المستمرّة"، موضحًا أن "في صلب الخطة الشاملة للرئيس ترامب، نزع سلاح "حماس" و "الجهاد الإسلامي"، ونزع الطابع العسكري ونزع التطرّف عن المجتمع الفلسطيني، هذه هي أوّل خطة تعالج جذور المشكلات". وجدّد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعهّده بأن غزة لن يُعاد إعمارها قبل أن تنزع "حماس" سلاحها، مشيرًا إلى أنه اتفق مع واشنطن على ذلك، حاسمًا أنه "قريبًا، ستواجه "حماس" معضلة: نزع السلاح بالطريقة السهلة أو نزع السلاح بالطريقة الصعبة، لكن سلاحها سينزع، ولن تعود غزة تهدّد إسرائيل"، بينما كان لافتًا جزم وزير الدفاع يسرائيل كاتس بأن الجيش الإسرائيلي سيبقى في المنطقة الأمنية في غزة "إلى الأبد".
في الغضون، أكد رئيس اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة علي شعث خلال اجتماع "مجلس السلام"، إنشاء سلطة حكم جديدة في غزة تُعنى بالتركيز على التنمية والاستقرار، لكنه حذر من أن البيئة التشغيلية لا تزال بعيدة من الوضع الطبيعي. وكشف أنه "سيتم نشر خمسة آلاف شرطي من غزة خلال 60 يومًا". وأوضح المدير التنفيذي لـ "مجلس السلام" في غزة نيكولاي ملادينوف أن 2000 شخص تقدّموا للعمل كعناصر شرطة في القطاع وبدأت عملية تجنيد عناصر في الشرطة الفلسطينية، في وقت فتحت فيه اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة باب الترشح للانضمام إلى قوة الشرطة في القطاع، مؤكدة أن "عملية التوظيف هذه موجّهة إلى الرجال والنساء المؤهّلين والراغبين في الخدمة ضمن جهاز الشرطة"، لكنها لم تذكر ما إذا كان من الممكن أن يشمل مجندو الشرطة المستقبليون أعضاء من قوة الشرطة الحالية في غزة.
واعتبرت "حماس" أن أي مسار سياسي أو ترتيبات تُناقش في شأن غزة ومستقبل الشعب الفلسطيني "يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان، ورفع الحصار، وضمان الحقوق الوطنية المشروعة للفلسطينيين". بالتوازي، أفاد الجيش الإسرائيلي في وثيقة قدّمها لنتنياهو في أواخر كانون الثاني بأن "حماس" تتخذ "خطوات على الأرض" بهدف الحفاظ على نفوذها وسيطرتها في القطاع على مختلف المستويات، من القاعدة إلى القمة، عن طريق دمج مؤيديها في الوظائف الحكومية والأجهزة الأمنية والسلطات المحلية.