أمجد اسكندر

"الجيروسكوب" شغّال

3 دقائق للقراءة

في الديمقراطيات العريقة، لا تسير السياسة بخط مستقيم. تميل، وتنحرف. ترتفع حدّ المغامرة أو تنخفض حدّ الانكفاء، لكن ثمة آلية داخلية دائمًا تعيد التوازن. كأن في داخلها جهازًا خفيًا يحفظ اتجاهها مهما اشتدّ الانحراف.

ما إن أنهى ماركو روبيو كلمته في "مؤتمر ميونيخ للأمن" حتى تنفس الحاضرون الصعداء. أحدهم قال: "لست متأكدًا إن كنتَ سمعتَ تنهيدة الارتياح التي عمّت هذه القاعة ونحن نستمع إلى ما أفسّره على أنه رسالة طمأنة وشراكة".

مختصر كلام روبيو أن الولايات المتحدة هي "بنت أوروبا"، ولا تريد أن تكون شاهدًا مهذبًا على انحدار الغرب. "نحن لا نسعى إلى الانفصال، بل إلى إحياء صداقة قديمة وتجديد أعظم حضارة في تاريخ البشرية… تحالف لا يشلّه الخوف، بل يندفع بشجاعة نحو المستقبل. والخوف الوحيد الذي نحمله هو العار إذا لم نترك لأطفالنا أممًا أكثر فخرًا وقوّة وازدهارًا".

قبل أسابيع، وفي "منتدى دافوس"، كان مارك كارني يدعو ما سمّاه "الدول المتوسطة" إلى التكاتف في وجه "الهيمنة الأميركية" الممثلة بعقيدة ترامب، معتبرًا أن الخيار هو إمّا التنافس على رضا القوى الكبرى أو الاتحاد لخلق مسار ثالث.

المشهد بدا وكأن ضفتي الأطلسي تتباعدان: أميركا ترفع السقف وتستخدم لغة صدامية، وأوروبا تتوجّس من سياسة الفرض في الأمن والاقتصاد والهجرة. روبيو اعترف بأن بلاده تتكلم بلهجة غير دبلوماسية لأن الأخطار جسيمة، بينما القارة العجوز بطيئة في الاستجابة.

لكن في العمق، اللعبة هي لعبة توازن. هناك من يرفع السقف ليحصل على مكاسب، ثمّ يستقرّ عند نقطة وسط. في إطلاق "مجلس السلام"، ترامب مازح روبيو وهدّده بالطرد لأن كلمته في ميونيخ لاقت استحسانًا عارمًا! وأردف "أنا أقول الشيء ذاته ولكن بأسلوب مختلف". في الطائرة جهاز يدعى "الجيروسكوب" وظيفته المساعدة على استقامة الطائرة إذا انحنت أو ارتفعت أو إذا مالت يمنة ويسرة بخلاف إرادة الطيار. الديمقراطيات الغربية "الجيروسكوب" منها وفيها. فصراع المصالح من ثوابت الدول، لكنه في الغرب يبقى تحت سقف آليات الديمقراطية. ولا مجال لأيّ مواجهة عسكرية بين حلفاء "الحضارة الغربية"، كالوضع القائم حاليًا بين روسيا وأوكرانيا. ثمّة عبارة رائجة منذ التسعينات "لا حرب بين دولتين فيهما مطاعم ماكدونالد". على مدى عقود تحوّلت بريطانيا ملجأ لأصحاب فكر الإرهاب الإسلامي والمهاجرين الحاقدين والمستغلّين لعطاءات الدولة، والذين أرادوا تخريب نمط الحياة البريطانية. التخبّط في حلّ هذه الأخطار أدّى إلى ظهور حزب "استعادة بريطانيا" الذي يدعو إلى طرد مئات آلاف المهاجرين وتثبيت مسيحية المملكة المتحدة. نايجل فاراج وحزبه "ريفورم" الموصوف بأقصى اليمين بدا "نعجة يمينية" في مقابل "استعادة بريطانيا". في لندن، تشير استطلاعات مؤسسة "يوغوف" إلى ميل الناخبين في أول استحقاق لانتخابات عامة نحو "التصويت التكتيكي"، أي التصويت لحزب لا تحبّذه لمنع صعود خصم أكثر راديكالية. وفي ضوء تدهور شعبية حزب "العمال" الحاكم، سيصبّ اللندنيون أصواتهم لمصلحة حزب "المحافظين" لمنع وصول "ريفورم". من يدري "التصويت التكتيكي" قد يستفيد منه يومًا "ريفورم" لمنع وصول "استعادة بريطانيا"، إذا شعر مواطنو المملكة المتحدة أن سياسات الهجرة لا تزال تهدّد هوية الجزيرة العريقة؟ "الجيروسكوب" البريطاني شغّال. والغربي كذلك.