هشام بو ناصيف

الطائفية وخطاب نواف سلام

4 دقائق للقراءة

يعود طرح إلغاء الطائفية السياسية في لبنان دوريًا إلى الواجهة، كما حدث في الأيام الأخيرة بعد خطاب لرئيس مجلس الوزراء نواف سلام. ينبغي أن نسجل لسلام إشارته إلى"وهم الاعتقاد بإمكانية حل أزمة النظام اللبناني عن طريق الإلغاء الكامل والفوري للطائفية". بخلاف "السياديين" الذين يحصرون المسألة اللبنانية بالتدخل الخارجي و "الاحتلال الإيراني"، سلام يعترف هنا أن النظام مأزوم فعلًا، وهذا جيد. وبخلاف نبيه بري الذي يلوح بإلغاء فوري للطائفية، سلام يحذر من عواقبه. هذا ليس تفصيلًا عند الحكم على الأشخاص ومعاني الكلام. استطرادًا، ينبغي الإقرار مع سلام أن الطائفية السياسية بالنظام الحالي والزبائنية يكمّل بعضهما بعضًا، لجهة أن تخصيص حصص لمكونات معينة تسهل على زعمائها الاستيلاء عليها لتوظيف المحاسيب في اطار سياسة سياسية لا تخدم المصلحة العامة. لا يخطئ سلام عندما يربط بين هذا النوع من الممارسات وبين تراجع "فعالية الإدارة نفسها ومستوى الخدمات التي تقدمها". قرأت الخطاب مرتين ولا أراه متطرفًا أو الغائيًا. في المقابل، أراه ناقصًا للأسباب التالية:

أولا، ينظر سلام بإيجابية إلى فكرة إلغاء الطائفية في مجلس النواب مقابل تشكيل مجلس شيوخ على أساس طائفي. بالحقيقة، لا يمكن لواحدنا أن يتوقف عند هذا المنطق من دون طرح سؤال بديهي: إذا كانت الطائفية سيئة، فلماذا طردها من باب النظام في مجلس النواب، وإعادة إدخالها من شباكه في مجلس الشيوخ؟ وإن لم تكن الطائفية سيئة، فلماذا إلغاؤها أصلًا؟ بالشكل، قبل المضمون، الطرح غير مقنع. وبالمضمون: يفترض أن يختص مجلس الشيوخ العتيد بـ "القضايا المصيرية"، بينما يتفرغ مجلس النواب للمسائل التشريعية والسياسية. ما الفرق بين الإثنين؟ يعني هل اقتراع المغتربين مسألة "مصيرية" أم مجرد مسألة "سياسية"؟ ماذا عن خيارات السياسة الخارجية؟ سياسة الدفاع؟ قضايا التربية والتعليم؟ إن كانت هذه كلها "مصيرية"، وهي فعلًا كذلك، فماذا يبقى لمجلس النواب؟ استطرادًا: من سيرأس مجلس الشيوخ؟ إعطاؤه لدرزي يعني أن رئاسة واحدة فقط من الرئاسات الأربع تبقى مسيحية. في المقابل، عدم إعطائه لدرزي سيغضب الطائفة التي تصبو إليه. هذا النوع من الأفكار مشروع حل أو مشروع مشكل إضافي؟

ثانيًا، الطائفية ملغاة فعلًا على مستوى الانتخابات البلدية. النتيجة في طرابلس؟ لا يصل مسيحي واحد إلى مجلسها البلدي منذ سنوات. الطائفية ملغاة بدورها في مجلس نقابة المحامين في بيروت. النتيجة؟ لا عضو مسلمًا واحدًا فيها. هذه "مواطنة" أم سلبطة عددية على الأقلية؟ أبعد من لبنان نفسه، ينبغي تذكير سلام أن لا كوتا طائفية في مصر. الأقباط هناك تقريبًا عشرة بالمئة من السكان. ما حصتهم بالسلطة في بلادهم؟ الإعلان الدستوري الحالي في سوريا لا "طائفية" فيه أيضًا. هل يبدو لسلام أن أوضاع غير السنة مطمئنة في سوريا؟ بالحقيقة، الديمقراطية لا تعني الطغيان الأكثري سوى بالمفهوم البدائي لها، اللهم إن كنا نتحدث عن الديمقراطية الليبرالية. الديمقراطية تعني أولًا ضمانة الأقلية ألّا تسحقها الأغلبية، إن كان الفالق الفاصل بين أقلية وأغلبية تحدده الهوية، عرقية كانت أم دينية أم إثنية. لبنان بلد غالبية سكانه من المسلمين، والعالم المسلم واسع. هل يمكن لسلام أن يعطينا بلدًا واحدًا ذات غالبية مسلمة يتساوى فيه المسلم مع غير المسلم سياسيًا؟

ثالثًا، نصل إلى المسألة الأساس التي يتجاهلها سلام كليًا، عنيت علاقة المقدس بالدنيوي في الإسلام. إن كان الفصل بينهما غير ممكن لأسباب فقهية، فكيف الوصول للمواطنة التي ينشدها رئيس مجلس الوزراء؟ الثورة الفرنسية التي قالت بالمواطنة بغض النظر عن الانتماء الديني، قالت أيضًا بالعلمنة، وقد سبقها الإصلاح الديني في الغرب. أما في منطقتنا، فتركيا "العلمانية" يحكمها إسلامي. زمن الإصلاح الديني في الإسلام لم يأت بعد. هل سلام أكيد أنه سيأتي يومًا؟