يستغرب اللبنانيون اليوم موجة الضرائب الجديدة التي تُطرح لتمويل إعطاء مساعدات إضافية للعسكريين المتقاعدين. وهذا الاستغراب ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لذاكرة جماعية مثقلة بتجارب مالية مشوّهة بدأت منذ مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، حين توسّعت الدولة في الإنفاق من دون أن تبني قاعدة إنتاجية متينة أو إدارة مالية منضبطة.
في تلك المرحلة، تولّى رياض سلامة حاكمية مصرف لبنان، وارتبط اسمه بسياسات نقدية ومالية وُصفت لسنوات بـ"الهندسات المالية". بدت الأرقام منمّقة، والديون قابلة للإدارة على الورق، وسعر الصرف ثابتًا ظاهريًا. غير أن ما جرى لاحقًا كشف أن جزءًا كبيرًا من الاستقرار كان قائمًا على تراكم الديون واستدامة تدفقات مساعدات مالية غير مضمونة ، لا على إصلاح بنيوي في المالية العامة أو في الاقتصاد الحقيقي.
اليوم، ذهب رياض سلامة وبقيت النتائج: اقتصادٌ منهك، عملةٌ منهارة، وثقةٌ داخليةٌ وخارجيةٌ شبه معدومة. لكن تحميل شخصٍ واحد مسؤولية الانهيار الكامل يجافي الحقيقة المُرّة، ويُغفل أن السياسات المالية كانت نتاج منظومة حكم متكاملة أقرت موازناتٍ صورية، وقطوع حسابٍ مشكوكًا بها، ووسّعت الإنفاق الجاري، وامتنعت عن ضبط التوظيف العشوائي ووقف مزاريب الهدر. وقد بلغت هذه السياسات ذروتها بعدما أحكم تحالف المافيا والميليشيا قبضته على السلطة في عهد الرئيس ميشال عون.
ماليةُ الدولة، في جوهرها، ليست لغزًا سحريًا، بل عمليةٌ حسابيةٌ علمية. إنها معادلةُ توازنٍ بين الإيرادات (ضرائب، رسوم، عائدات أملاك عامة…) وبين النفقات (رواتب، خدمات عامة، دعم، استثمار…). وأي زيادةٍ في النفقات يجب أن تقابلها زيادةٌ في الإيرادات أو خفضٌ في بنودٍ أخرى، وإلا نشأ العجز، الذي يُموَّل إمّا بالاستدانة أو بطباعة النقد، وكلاهما يحمل كلفةً اقتصاديةً واجتماعيةً باهظة.
من هذا المنطلق، فإن مطالبة العسكريين المتقاعدين بتحسين أوضاعهم في ظل الغلاء الفاحش هي مطالبة محقّة إنسانيًا واجتماعيًا. فقد تآكلت قيمة رواتبهم كما تآكلت رواتب سائر اللبنانيين. غير أن مسؤولية الحكومة لا تقتصر على الاعتراف بأحقية المطلب، بل تمتد إلى تأمين مصادر تمويل مستدامة قبل الإقرار بالإنفاق.
أمام أي حكومة خياران تقليديان لتمويل زيادة الإنفاق:زيادة الإيرادات عبر ضرائب جديدة أو تحسين الجباية أو خفض النفقات عبر إصلاحات هيكلية تحدّ من الهدر وتعيد ترتيب الأولويات.
المشكلة أن الخيار الثاني، رغم ضرورته، يتطلب مواجهة سياسية مع شبكات المصالح المتجذّرة داخل الإدارة العامة. الاعتراف بالهدر يعني تسمية مكامن الخلل: في التوظيف السياسي، في الصناديق والمجالس غير الخاضعة للرقابة الفعلية، في دعم قطاعات من دون معايير شفافة، وفي غياب المحاسبة وفي وقف التهرب الضريبي والجمركي. وهذا مسار شاقّ ومكلف سياسيًا.
لذلك يبدو أن الطريق الأسهل والأسرع هو فرض ضرائب جديدة على شعبٍ منهك أصلًا، بدل الشروع بإصلاح جذري يعيد بناء الثقة. غير أن هذا الخيار، إن لم يترافق مع إصلاحات واضحة وملموسة، قد يفاقم الانكماش الاقتصادي ويعمّق الشعور باللاعدالة.
لقد اعتاد اللبنانيون، طوال عقود، على إدارة مالية قائمة على "الترقيع": معالجة آنية للأزمات من دون رؤية شاملة. لكن زمن المشعوذين الماليين قد انتهى. لم يعد بالإمكان إخفاء العجز خلف هندسات معقّدة أو تثبيتٍ مصطنعٍ لسعر الصرف. المطلوب اليوم الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة الدولة وفق قواعد علمية واضحة: موازنة شفافة، أرقام حقيقية، أولويات محددة، وربط أي إنفاق إضافي بإصلاح بنيوي قابل للقياس.
ذهب المشعوذ، وخفَّ وهج «أرانب» الرئيس نبيه بري السحرية، وسقطت النظريات العبقرية للمنظّرين الكبار في عهد الرئيس ميشال عون، التي بشّرت بمواجهة الأزمة بدجاجتين وعنزة، أو بتوزيع طيور «الفري». لكن بقاء الذهنية نفسها يعني أن سياسة الترقيع ستستمر. أمّا التحدّي الحقيقي فيكمن في كسر هذه الحلقة المفرغة، والانتقال من إدارة العجز إلى بناء دولةٍ ماليةٍ مسؤولة، لا تقوم على الشعوذة وبيع الأوهام، بل على التخطيط والمحاسبة والشفافية. وهذا يقتضي اقتناع جميع الأطراف، سلطةً وشعبًا، بأنّ أيّ حلولٍ ترقيعية لن تؤدّي إلا إلى تعميق الأزمة وتسريع تفاقمها، لأنّ البلد بات أسير أزمةٍ مستعصية تفرض نفسها على الجميع ولا تستثني أحدًا.