أوكرانيا تُحيـي ذكرى الغزو الروسي بروح الصمود والتحدّي

6 دقائق للقراءة

أحيت أوكرانيا الذكرى الرابعة للغزو الروسي الشامل للبلاد أمس، بروح الصمود والتحدّي نفسها التي اتسمت بها منذ 24 شباط 2022. ظن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه يستطيع إخضاع كييف وتحقيق أهدافه خلال أيام معدودة، غير أن المقاومة الأوكرانية كانت لها خطط أخرى، إذ أغرقت الجيش الروسي في "مطحنة" أسقطت حتى الآن أكثر من مليون جندي روسي بين قتيل وجريح مقابل تقدّم ميداني ضئيل ومحدود وفشل ذريع في تحقيق أهداف الحرب، بينما أضحت أوكرانيا أقوى جيش في أوروبا على مستويي العديد والخبرات القتالية، كما لا تزال القوات الأوكرانية تحافظ على خطوط الدفاع على طول الجبهة، رغم الكلفة القاسية والتحديات الداخلية والخارجية الصعبة التي تواجه كييف.

نشر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مقطع فيديو كشف فيه للمرّة الأولى الملجأ الواقع تحت المجمّع الرئاسي في وسط كييف، والذي أُديرت منه خطة مواجهة الغزو الروسي قبل أربع سنوات، مؤكدًا أنه "في هذا المكتب، في هذه الغرفة الصغيرة داخل ملجأ شارع بانكوفا، أجريت أولى محادثاتي مع قادة العالم في بداية الحرب". وأوضح أنه "من هنا تحدثت مع (الرئيس الأميركي السابق) جو بايدن، وقلت له إنني أحتاج إلى ذخيرة لا إلى سيارة أجرة"، في إشارة إلى العبارة التي اشتهر بها عندما عرض عليه بايدن آنذاك إخراجه من كييف. وحض زيلينسكي، حلفاء بلاده، على مواصلة دعمهم لأوكرانيا والدفاع عن أسلوب الحياة الأوروبي، معتبرًا أن عضوية الاتحاد الأوروبي ستكون ضمانًا لأمن أوكرانيا في المستقبل بعد توقيع اتفاق سلام، وأن كييف ستكون جاهزة للحصول على العضوية بحلول عام 2027. كما حض بروكسل على وضع جدول زمني واضح لانضمام بلاده إلى التكتل. وحسم أن بوتين "لم يحقق أهدافه، لم يكسر شوكة الشعب الأوكراني، لم ينتصر في هذه الحرب"، داعيًا نظيره الأميركي دونالد ترامب إلى زيارة كييف، قائلًا: "لن تدرك حقيقة هذه الحرب... إلّا بعد أن تزور أوكرانيا وترى بنفسك شكل حياتنا ومعاناتنا".

ورأى زيلينسكي، الذي تحدّث في كلمة مصوّرة عُرضت أمام البرلمان الأوروبي، أن روسيا "ديكتاتورية غير مستقرة ذهنيًا لا تستطيع أن تقبل بأن كل حياة في أوروبا لها قيمة، وأن حقوق الإنسان مهمة، وأنه يمكن حماية الدول سواء كانت كبيرة أم صغيرة"، معتبرًا أن "بوتين لا يستطيع أن يتقبّل أمرًا بسيطًا واحدًا، وهو أن الناس في مكان ما يمكنهم أن يعيشوا بشكل مختلف ويتمتعوا بحياة ليست تلك التي يفضلها هو، ولهذا السبب ظلّ يحاول باستمرار كسر الآخرين، ليس الآن فقط، وليس منذ أربع سنوات فقط، بل طوال فترة وجوده في السلطة، إنها الحرب ذاتها، وأي شخص يدعم بوتين لا يمكنه إلّا أن يفهم أنه يختار الحرب". في المقابل، اتهم بوتين، كييف، بالسعي إلى إفشال عملية السلام بين البلدين بدعم من وكالات الاستخبارات الغربية، معتبرًا أنه من الضروري تعزيز الدفاع عن البنية التحتية للطاقة وغيرها من الأهداف الاستراتيجية. وأقرّ الكرملين بأن موسكو لم تحقّق كل أهدافها بعد، ولهذا السبب تستمرّ العملية العسكرية.

توازيًا، حضرت شخصيات بارزة، منها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب ورئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن ، صلاة مع زيلينسكي في كاتدرائية القديسة صوفيا في كييف، لكن على عكس السنوات السابقة، لم يحضر أي من رؤساء الحكومات الغربية الكبرى مراسم الذكرى. وعقد الزعماء الموجودون في كييف وعدد من القادة غير الموجودين، اجتماعًا لـ "تحالف الراغبين" الذي من المقرّر أن يشكّل إحدى الضمانات الغربية لأوكرانيا ضمن اتفاق سلام.

وبعدما عرقلت المجر قرضًا بقيمة 90 مليار دولار من الاتحاد الأوروبي إلى أوكرانيا وحزمة عقوبات أوروبية جديدة على موسكو، حسمت فون دير لاين أن التكتل سيقدم القرض لكييف بطريقة أو بأخرى، مشيرة إلى أن الاتحاد سيعمل على حزمة جديدة لإمدادات الطاقة للشتاء بقيمة 920 مليون يورو لأوكرانيا لعامي 2026 و2027. ودعت فون دير لاين، كييف، إلى تسريع إصلاح خط أنابيب النفط دروغبا الذي تضرر وسبب توترات بين أوكرانيا وكل من المجر وسلوفاكيا. وفرضت بريطانيا عقوبات على شركة "ترانسنفت" المشغلة لخطوط أنابيب النفط والتي تنقل أكثر من 80 في المئة من صادرات النفط الخام الروسية، في إطار حزمة من نحو 300 إجراء، معلنة أكبر مجموعة من العقوبات لها ضدّ موسكو.

وجدّد قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا، بعد اجتماع "تحالف الراغبين"، تأكيد "التزامهم الراسخ" بتحقيق سلام عادل ودائم في أوكرانيا، مشدّدين على الدور الذي سيلعبه التحالف في توفير ضمانات أمنية متعددة المستويات، في حين كشفت أوتاوا أنها ستقدّم لكييف مساعدات عسكرية جديدة قيمتها 220 مليون دولار وستفرض عقوبات على 100 سفينة من "أسطول الشبح" الروسي. وأكد قادة "مجموعة السبع" مجدّدًا، دعمهم الراسخ لأوكرانيا في الدفاع عن سلامة أراضيها وحقها في الوجود، حاسمين أن "أوكرانيا وروسيا وحدهما يمكنهما التوصل إلى اتفاق سلام من خلال التفاوض معًا بحسن نية"، في وقت أقرّت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة، بغالبية كبيرة، قرارًا يدعم أوكرانيا ويؤكد حدودها الدولية ويعبّر عن القلق إزاء تصاعد الهجمات الروسية على المدنيين والبنية التحتية الحيوية للطاقة. وكان معبّرًا امتناع أميركا عن التصويت.

نوويًا، اعتبر بوتين أن أعداء موسكو ربّما يدركون كيف يمكن أن ينتهي أي هجوم على روسيا أو القوات الروسية باستخدام "عنصر نووي"، فيما ذكر مستشار السياسة الخارجية في الكرملين يوري أوشاكوف أن روسيا ستطلع أميركا على ما تدّعي أنها محاولات أوكرانية للحصول على أسلحة نووية. وحذرت الخارجية الروسية من خطر وقوع صدام مباشر بين القوى النووية والعواقب الوخيمة التي ربّما يترتب عليها مثل هذا الصدام، بعدما اتهم جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي، بريطانيا وفرنسا، بالتحضير لتزويد أوكرانيا سرًا بقطع غيار وتكنولوجيا أسلحة نووية. لكن كييف رفضت الاتهامات الروسية، معتبرة أنها "سخيفة"، وحضت المجتمع الدولي على رفض وإدانة "قنابل المعلومات القذرة التي تطلقها روسيا". كما رفضت لندن الاتهامات الروسية.