في الثاني والعشرين من شباط من كلّ عام، تحتفل المملكة العربية السعودية بـ «يوم التأسيس»، في مناسبة وطنية تستحضر اللحظة التي وُضعت فيها اللبنات الأولى للدولة قبل أكثر من ثلاثة قرون. ولا يقتصر هذا اليوم على كونه ذكرى تاريخية، بل يشكّل محطة لإعادة قراءة مسار دولة انطلقت من قلب الجزيرة العربية لتتحوّل إلى قوّة إقليميّة ذات ثقل سياسي واقتصادي وثقافي، رسّخت حضورها في معادلات المنطقة والعالم.وقد تفاعل لبنان رسميًا وإعلاميًا مع هذه المناسبة. وكانت المملكة من أوليات الدول العربية التي اعترفت باستقلال لبنان عام 1943، ما يعكس عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، ويبرز مكانة المملكة في الوجدان العربي عمومًا، وفي المشهد اللبناني خصوصًا، حيث ارتبط اسمها بمحطات دعم سياسي واقتصادي وإنساني تركت بصماتها في مراحل مفصليّة من تاريخ لبنان الحديث. وهو ما يؤكد متانة الروابط العربية المشتركة والدور المحوري الذي تضطلع به المملكة في النظام العربي المعاصر واستقراره.البدايات التاريخية لمسيرة الدولةتعود جذور هذه المناسبة إلى عام 1727م، حين تولّى الإمام محمد بن سعود إمارة الدرعية، الواقعة شمال غرب الرياض، ليؤسّس بذلك النواة السياسية لما عُرف لاحقًا بالدولة السعودية الأولى. في ذلك السياق التاريخي، كانت مناطق وسط الجزيرة العربية تعيش حالة من التفرّق السياسي وغياب السلطة المركزية المستقرّة، ما جعل صعود الدرعية نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ المنطقة. فقد أرسى الإمام محمد بن سعود نموذجًا للحكم قائمًا على تثبيت الأمن، وتنظيم الشؤون الإدارية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، لتنطلق من تلك القاعدة تجربة سياسية استمرّت عبر مراحل تاريخية متعاقبة، وصولًا إلى إعلان توحيد المملكة العربية السعودية عام 1932م على يد الملك عبد العزيز آل سعود.استذكار الماضي والانطلاق نحو المستقبللا يقتصر يوم التأسيس على استذكار الماضي، بل يمتدّ أثره إلى الحاضر ويتطلّع إلى المستقبل، لا سيّما في ظلّ التحوّلات الاستراتيجية التي تشهدها المملكة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ضمن إطار رؤية السعودية 2030، بقيادة صاحب السموّ الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان آل سعود. إن استحضار الجذور التاريخية يتكامل مع مشروع التحديث الاقتصادي والاجتماعي، في تأكيد واضح على أن مسار التطوير لا ينفصل عن الهوية الوطنية، وأن النهضة الراهنة ليست وليدة اللحظة، بل امتدادًا طبيعيًا لمسيرة طويلة من البناء السياسي والإداري المتراكم.الدور الإقليمي والدبلوماسييجسّد يوم التأسيس مفهوم الاستمرارية الراسخة في الحكم، حيث تعاقب الملوك على تثبيت أركان الدولة وترسيخ شرعيتها السياسية، مع توسيع نطاق حضورها الإقليمي والدولي بثبات وثقة. فمن دولة في قلب الجزيرة العربية إلى قوّة مؤثرة وعضو فاعل في مجموعة العشرين، قطعت المملكة مسارًا تاريخيًا حافلًا بالمحطات المفصلية التي صاغت هويتها السياسية ورسّخت مكانتها الاقتصادية.لم يقتصر دور المملكة على كونها لاعبًا رئيسيًا في استقرار أسواق الطاقة العالمية وحماية توازنها، بل تحوّلت إلى ركيزة أساسية في معادلات الأمن الإقليمي وصياغة المبادرات الدبلوماسية الهادفة إلى احتواء الأزمات وتعزيز الاستقرار في محيطها العربي والإسلامي. وقد أثبتت سياستها الخارجية قدرتها على الجمع بين الحزم في الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية والانفتاح على بناء الشراكات الدولية، ما جعلها شريكًا موثوقًا في الملفات السياسية والاقتصادية الكبرى.البعد الاستراتيجي والسياسي الحديثالمملكة اليوم لاعب محوريّ على الساحة السياسية الدولية، إذ تقود مبادرات استراتيجية في المنطقة، وتعزز التعاون العربي والإسلامي، إلى جانب حضورها الفاعل في المنتديات الدولية. ومن خلال الشراكات الاقتصادية والاستثمارات العالمية، تمكّنت من توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي بشكل مدروس، مؤكّدة قدرتها على الموازنة بين المصالح الوطنية والأدوار الإقليمية والدولية. وهذا يعكس قوّة القرار الوطني واستمرارية المشروع السياسي منذ التأسيس حتى اليوم.تعزيز القيم الوطنية والمشروع المستداممسيرة الدولة منذ التأسيس تؤكد أن الثبات على المبادئ لا يتعارض مع المرونة في التعاطي مع المتغيّرات، وأن قوة القرار الوطني كانت وما زالت العامل الحاسم في ترسيخ موقع المملكة كلاعب محوريّ في صناعة التوازنات الإقليمية والدولية. والاحتفاء بيوم التأسيس هو احتفاء بفكرة الدولة ذاتها، وبفلسفة الحكم التي انطلقت من الدرعية، وبقدرة المجتمع على تجاوز التحدّيات وصياغة مشروع سياسي مستدام.يمثل يوم التأسيس السعودي محطة رمزية تعيد قراءة التاريخ بروح معاصرة، وتؤكد أن الدول القوية لا تُبنى في يوم واحد، بل عبر تراكم الخبرات وترسيخ الركائز. وبين الماضي العريق والحاضر المتجدّد، يظلّ الثاني والعشرون من شباط شاهدًا على مسيرة دولة صنعت حضورها من عمق الصحراء إلى قلب المشهد الإقليمي والدولي.