راشيل علوان

إسرائيل والهند ترسّخان علاقاتهما وسط منطقة مضطربة

3 دقائق للقراءة
نتنياهو ومودي في القدس أمس (رويترز)

على مدار العقود تطورت العلاقة بين الهند وإسرائيل تطورًا عجيبًا، شهدت محطات من المد والجزر، وانتقلت الهند من معسكر الدول المؤيدة للقضية الفلسطينية، إلى معسكر الدول المؤيدة لإسرائيل، خصوصًا بعد صعود رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى الحكم في أيار 2014.

وتأتي الزيارة الثانية لمودي إلى تل أبيب في اليومين الماضيين، لتندرج في إطار ليس فقط تطوير العلاقة الثنائية، بل لتعكس إعادة تموضع استراتيجي لنيودلهي في بيئة إقليمية ودولية متغيّرة، إضافة إلى تعزيز البعد العسكري، الاقتصادي، التكنولوجي والاستراتيجي بين البلدين.

تجلى تعزيز العلاقات بين الطرفين على مدى سنوات في توقيع صفقات عسكرية وتجارية ضخمة بمليارات الدولارات، وأصبحت الهند تشتري سنويًا أسلحة إسرائيلية بما يقارب مليار دولار، ما يجعل إسرائيل من أكبر مورّدي السلاح للهند، إلى جانب روسيا والولايات المتحدة. فبالنسبة إلى الهند، التي تواجه تحديات أمنية مستمرّة مع باكستان وتوترات حدودية مع الصين، إن الحصول على تقنيات عسكرية متطورة يعزز قدراتها الدفاعية ويمنحها تفوقًا نوعيًا.

تسعى الهند إلى تحديث بنيتها التحتية وتعزيز اقتصادها الرقمي، وقد وسّعت زيارة مودي الثانية إلى تل أبيب اتفاقات التعاون الثنائية، إذ وقع الطرفان 16 اتفاقية اقتصادية وأمنية ودبلوماسية، ومذكّرات تفاهم في مجالات الزراعة، الاستكشاف الجيوفيزيائي، التراث، العلوم، التعليم، الاقتصاد، والأمن السيبراني، التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وتضمّن الاتفاق السماح بوصول 50000 عامل هندي خلال السنوات الخمس المقبلة إلى إسرائيل.

هذه الشراكة بين البلدين عززتها العلاقة القوية لرئيس الوزراء الهندي مع نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مدفوعة بسياسة أكثر براغماتية ترتكز على تنويع الشراكات بدل الارتهان لمحور واحد، ما يتيح لنيودلهي توسيع شبكة تحالفاتها خارج الإطار التقليدي وتعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة، الحليف الاستراتيجي لإسرائيل، ولعب دور أكبر في الترتيبات الإقليمية الجديدة.

لكن، خلف هذا التعاون والشراكة الاقتصادية والعسكرية، سعي إسرائيلي لتشكيل محور جديد في المنطقة، إذ يرى مراقبون أن هدف إسرائيل ليس فقط توسيع علاقاتها وشراكاتها العسكرية والاقتصادية، خصوصًا في منطقة آسيا، بل تشكيل محور جديد في وجه "المحور الشيعي" المهزوم، و"المحور السني" الصاعد وعلى رأسه تركيا. فمودي يمثل تيارًا جديدًا وكبيرًا في الهند وهو التيار القومي الهندوسي، الذي يتبنى عداءً كبيرًا للمسلمين في الهند وخارجها، والشراكة بين الهند وإسرائيل تأتي في إطار توسّع الهند الإقليمي وتدعيم موقفها العسكري والاستراتيجي من خلال حلف وثيق مع إسرائيل ضدّ باكستان.

محورٌ جديد يتثبّت في المنطقة بما تمثله إسرائيل من علاقة استراتيجية قوية بالولايات المتحدة، والهند كدولة نووية معلنة وقدرة تصنيعية كبيرة وحلف عسكري متوقع. هو اصطفاف أعلنه مودي بشكل ضمني خلال زيارته إلى تل أبيب، فيما أعلنه نتنياهو صراحة بقوله "سنبني تحالفًا قويًا من الدول التي تسعى للاعتدال في مواجهة الإسلام المتطرّف"، ما يعني حكمًا أن المنطقة ستكون أمام سياسة أحلاف وعلى اعتاب تقسيم جديد للنفوذ.

إذًا، أصبح لدى إسرائيل ظهير كبير في جنوب آسيا، وعلى أعتاب وسط القارة وغربها، في إطار سياسة تعدّد الأحلاف التي يبدو أن مسارها بدأ في منطقة شديدة الحساسية. وبالتالي، هل نحن أمام محور قوة جديد في خريطة الشرق الأوسط التي ينسج نتنياهو خيوطها؟