في كلّ مرة تتصاعد فيها التوترات بين واشنطن وطهران، يسيطر سؤال مألوف على عناوين الأخبار: هل الحرب وشيكة؟ هل الرئيس الأميركي يخضع لضغوط من مستشاريه أو من قاعدته الانتخابية؟ فيندفع المعلّقون إلى تحليل النبرة ولغة الجسد لدى القادة والدوائر المقرّبة منهم، بحثًا عن أدلّة في كلّ خطاب أو نشرٍ للقوات.
لكن اختزال هذه اللحظة في علم نفس القيادة ليس سوى تحليل سطحيّ. لقد شهدنا تاريخيًا حوادث مماثلة، لحظاتٍ ارتفعت فيها حدّة القلق العالميّ، لا لأن القادة كانوا غير عقلانيين، بل لأن الظروف الهيكلية جعلت النتائج غير مؤكّدة إلى حدّ كبير. خلال أزمة الصواريخ الكوبية، وقف العالم على شفا حرب نووية من دون إجابات واضحة حول كيفية تطوّر الأحداث. لم يكن القلق ناجمًا عن قادة متقلّبين أو هواة "صفقات"، بل عن معلومات غير مكتملة، ودورات تصعيد سريعة، واحتمالات كارثية.
بعد عقدٍ من الزمن، وخلال حرب يوم الغفران عام 1973، اقتربت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي مرةً أخرى من المواجهة. أدّى الحظر النفطي إلى اضطراب الأسواق العالمية، وارتفعت مستويات التأهّب العسكري. لم تكن حالة عدم اليقين مجرّد مشهدٍ مسرحيّ، ولم يكن في وسع أحد أن يتنبّأ بثقة بما إذا كانت الحرب الإقليمية ستفضي إلى صدامٍ بين القوّتين العظميين.
وحتى في عام 1990، قبيل اندلاع حرب الخليج، سبقت المواجهةَ أشهرٌ من التكهّنات والقلق بشأن مدى العمل العسكري واحتمالاته.
ما يوحِّد هذه اللحظات ليس الدراما الشخصية، بل عدم الاستقرار الهيكلي؛ أي إن العالم يَحبس أنفاسه عندما تتزامن ثلاثة شروط: أولًا، أن تكون العواقب المحتملة هائلة، بما في ذلك تأثير الحرب في أسواق الطاقة، وأنظمة الأمن الإقليمية، وديناميات انتشار الأسلحة النووية. ثانيًا، انخفاض مستوى الشفافية؛ إذ تبقى عتبات اتخاذ القرار غامضة، ولا يحدّد أيٌّ من الطرفين خطوطه الحمراء بوضوح. ثالثًا، ضيق هامش الخطأ. ففي بيئات الأزمات، قد تُساء قراءة الإجراءات المتخذة لأغراض الإشارة بوصفها استعدادًا للحرب، فتؤدي خطوة واحدة إلى ردّ فعل مقابل.
جدير بالذكر أن ما يزيد من توتر الوضع حاليًا هو النظامُ البيئيّ المعلوماتيّ الحديث. فخلال الحرب الباردة، كانت الدبلوماسية في أوقات الأزمات تُدار في الغالب خلف أبواب مغلقة. أمّا اليوم، فتنتشر صور الأقمار الصناعية في الوقت الفعلي، ويقدّم المحلّلون تعليقاتٍ متواصلة، وتُضخّم وسائل التواصل الاجتماعي التكهّنات، فيما تستجيب الأسواق خلال ثوانٍ معدودة. والنتيجة حلقة مفرغة من القلق تضغط على الإدراك الزمني وتُضخّم كلّ إشارة.
العامل الوحيد المؤكّد في الوقت الراهن، أننا أمام المرحلة الأكثر اضطرابًا في الأزمة، إذ إن الدبلوماسية لم تنجح بعد، والحرب لم يُعلَن عنها. وتعزز هذا الانطباع بعد الجولة الأخيرة من محادثات جنيف التي لم تُسفر عن أيّ تقدّم ملموس.
فعلى الرغم من استخدام وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لغةً عامةً ومتفائلةً للغاية في تصريحه عقب المفاوضات، فإنه لم يأتِ على ذكر أيّ تفاصيل أو تنازلات أو نتائج حسّية. يُعتبر هذا المزيج من اللغة المتفائلة والتحفظات، سمة من سمات الدعاية الدبلوماسية.
الواضح أن إيران تُصرّ على استمرار التخصيب، والاحتفاظ ببرنامج الصواريخ الباليستية، والإبقاء على بنية الوكلاء. والواضح أيضًا عدم رضا الولايات المتحدة. من هنا يأتي المضيّ في إرسال وتجميع الأصول العسكرية. فمن وجهة نظر واشنطن، لم تُجمّد المفاوضات مسارات التصعيد؛ والتحوّل من بنية الضغط إلى منطق الضربة ممكن بوتيرة أسرع.
وبذلك نكون قد انتقلنا من محاولة تثبيت الردع إلى ما يُعرف في نظرية التصعيد بـ "مرحلة الضغط ما بعد الدبلوماسية". فقبل تعثر المحادثات، كان التعزيز العسكري يُعدّ وسيلة ضغط أو نفوذًا قسريًا؛ أمّا بعد تعثرها، فيغدو التعزيز ضمانًا للجهوزية. ذلك أن التكوين العسكري الأميركي، المرتكز على وجود حاملات الطائرات، وتجهيز ناقلات الوقود، ونشر قواعد أمامية لطائرات "F-22 Raptor"، يخدم الآن غرضًا مختلفًا: الاستعداد القابل للتنفيذ.
أمّا لماذا أصبح الوضع مختلفًا؟ فلأننا نواجه جمودًا دبلوماسيًا يواكبه هيكلُ قوةٍ مرئي، مع خفض عدد الموظفين في السفارات الأميركية في البلدان التي قد تتعرّض لأعمال عسكرية، إضافة إلى إصدار تحذيرات إقليمية تُشير إلى جدّية احتمال حصول ضربة عسكرية ضدّ إيران.
هذا التلاقي يضعنا أمام ما تصفه نظرية الأزمات بـ "مأزق قسري عالي المخاطر"، وهو وضع يُعدّ خطوةً واحدةً قبل التفويض بشن الحرب.