بعد يوم من الجولة الثالثة من المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران التي انتهت بأجواء من "الغموض الإيجابي"، حسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس أنه غير راض عن مسار التفاوض مع الإيرانيين، في وقت أصدرت فيه دول عدة تحذيرات ونصائح لمواطنيها المتواجدين في إسرائيل وإيران ودول أخرى في الشرق الأوسط، تحسّبًا لاحتمال اندلاع مواجهة عسكرية قريبًا، بالتوازي مع استمرار حشد التعزيزات العسكرية الأميركية في المنطقة. إنطلاقًا من ذلك، يبدو أن المحاولة الأميركية للتوصّل إلى اتفاق مع إيران من دون اللجوء إلى الخيار العسكري على وشك أن تفشل بسبب تعنت الإيرانيين، ما يشي بأن الأيام المقبلة قد تشهد لحظة مصيرية بالنسبة إلى ملالي طهران المأزومين، إن لم تطرأ "مفاجأة استثنائية".
أكد ترامب أنه يريد إبرام اتفاق مع إيران، لكنه أوضح أنه "لست سعيدًا بحقيقة أنهم غير مستعدّين لمنحنا ما يجب أن نحصل عليه". وشدد على أنه "لم نتخذ قرارًا نهائيًا بعد، لسنا راضين تمامًا عن الطريقة التي يتفاوضون بها، لا يمكنهم امتلاك أسلحة نووية... سنرى كيف ستسير الأمور في النهاية". وعندما سُئل حول تغيير النظام في طهران، أجاب أن ذلك ممكن أن يحدث وممكن ألّا يحدث، مشيرًا إلى أنه "سيكون من الرائع لو أنهم تفاوضوا بحسن نية وبضمير حي، لكنهم حتى الآن لم يصلوا إلى ذلك". وأكد أنه لا يريد استخدام القوة العسكرية ضدّ إيران، لكنه رأى أنه في بعض الأحيان لا بدّ من ذلك.
في الأثناء، التقى نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، الذي يلعب دور الوسيط في المفاوضات النووية، في واشنطن، حيث أوضح البوسيعيدي أنه شارك خلال اللقاء تفاصيل المفاوضات والتقدّم الذي تحقق حتى الآن، مؤكدًا أنه ممتن لانخراطهم ويتطلّع إلى إحراز مزيد من "التقدّم الحاسم" في الأيام المقبلة، ورأى أن "السلام في متناول أيدينا". وكشفت الخارجية العُمانية أن البوسعيدي أوضح لفانس أن "المفاوضات حققت حتى الآن تقدّمًا رئيسيًا ومهمًا وغير مسبوق، يمكن أن يشكّل الركيزة الأساسية للاتفاق المنشود"، معربًا عن "تقديره البالغ للجهود الجادة التي بذلتها الأطراف... وما نتج عنها حتى الآن من أفكار وطروحات خلّاقة وبناءة أسهمت في تقريب وجهات النظر في سبيل التوصل إلى اتفاق مشرّف".
وأجرى البوسعيدي اتصالات هاتفية مع نظرائه في دول "مجلس التعاون الخليجي"، لإحاطتهم بنتائج المفاوضات النووية. وكان فانس قد حسم أنه في حال مضى ترامب قدمًا في ضربة عسكرية ضدّ إيران، فليس هناك "أي فرصة" أن تُجرّ أميركا إلى حرب لامتناهية في الشرق الأوسط، فيما كشفت الخارجية الأميركية أن الوزير ماركو روبيو سيزور إسرائيل الإثنين والثلثاء المقبلين، حيث سيناقش الملفات الإقليمية، بما في ذلك إيران ولبنان وغزة.
ومع قرع طبول الحرب، أذنت واشنطن لموظفي سفارتها في إسرائيل غير الأساسيين وعائلاتهم بمغادرة إسرائيل بسبب مخاطر أمنية، لكن لا يصل هذا الإذن إلى مستوى المغادرة الإلزامية التي فرضت هذا الأسبوع على بعض موظفي السفارة الأميركية في بيروت. وكان لافتًا توجيه الصين نصيحة إلى رعاياها بتجنب السفر إلى إيران، حاضة الموجودين هناك على المغادرة في أقرب وقت ممكن، كما حضت السفارة الصينية في إسرائيل مواطنيها على تعزيز التدابير الاحترازية الأمنية والاستعداد للطوارئ. وجدّدت باريس نصيحتها للفرنسيين بعدم السفر إلى إسرائيل والقدس والضفة الغربية، وأوصت مواطنيها الموجودين في هذه الأماكن بتوخي الحذر والحيطة وتحديد أماكن الاحتماء. ودعت بولندا رعاياها إلى مغادرة إيران وإسرائيل ولبنان فورًا. وناشدت إيطاليا رعاياها مغادرة إيران ونصحتهم بتوخي الحذر الشديد في أنحاء المنطقة.
وسحبت بريطانيا موظفيها موَقتًا من إيران بسبب الوضع الأمني في المنطقة، ونصحت مواطنيها بعدم السفر إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية إلّا للضرورة القصوى، واتخذت إجراء احترازيًا بنقل بعض موظفيها وأسرهم موَقتًا من تل أبيب إلى مكان آخر في إسرائيل. ونصحت ألمانيا رعاياها بعدم السفر إلى إسرائيل. وأصدرت كندا تحذيرًا دعت فيه جميع مواطنيها إلى مغادرة إيران. ودعت كازاخستان مواطنيها إلى مغادرة إيران فورًا، وأوصت مواطنيها بالامتناع موَقتًا عن السفر إلى إيران. وأعلن مطار اسطنبول إلغاء ثلاث رحلات متجهة إلى طهران.
ووصلت حاملة الطائرات الأميركية "جيرالد فورد" إلى حيفا في إسرائيل، بينما أظهرت صور أقمار اصطناعية أن أميركا تواصل نقل طائرات ومعدّات إلى قاعدة عوفدا الجوية في جنوب إسرائيل، حيث تُظهر الصور وصول 11 مقاتلة من طراز "أف 22" خلال الأيام الأخيرة. وأظهرت صور إضافية من قاعدة العُديد الجوية في قطر، عدم بقاء أي طائرات أميركية للتزوّد بالوقود جوًا في المنشأة، في حين شوهد عدد كبير من هذه الطائرات متوقفًا في مطار بن غوريون الإسرائيلي. وأظهرت لقطات وجود عدد كبير من الأصول العسكرية الأميركية الجوية في جزيرتي كريت ودييغو غارسيا وقاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية.
في الغضون، كشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تقرير سرّي أُرسل إلى الدول الأعضاء قبل اجتماع لمجلسها الأسبوع المقبل واطّلعت عليه وكالة "رويترز"، أن بعضًا من اليورانيوم الإيراني الأعلى تخصيبًا كان مُخزنًا في منطقة تحت الأرض داخل المنشأة النووية في أصفهان، التي اعتبرت أنها موقع محل اهتمام بسبب منشأة تخصيب جديدة أيضًا. وهذه هي المرّة الأولى التي تُبلغ فيها الوكالة عن مكان تخزين يورانيوم مخصّب بنسبة تصل إلى 60 في المئة. ويفيد دبلوماسيون بأن مدخل المنشأة تعرّض للقصف خلال "حرب الـ 12 يومًا"، لكن المنشأة لم تتضرّر إلى حدّ كبير. وأكدت الوكالة أن إيران لم تقدّم أي تقرير إلى الوكالة في شأن حال منشآتها النووية التي تعرّضت للهجوم والمواد النووية المرتبطة بها ولم تسمح بالوصول إليها.
أمميًا، أكد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أن "الوضع في إيران لا يزال متقلّبًا بعدما قتلت السلطات آلاف الأشخاص في حملة قمع دامية في كانون الثاني، وشهدت الأيام الأخيرة موجة جديدة من الاحتجاجات في الجامعات، ما يؤكد أن المظالم الأساسية لا تزال قائمة، وتستمرّ التقارير عن القمع، بما في ذلك الاعتقالات والضغوط على الأوساط الأكاديمية، ولا يزال آلاف الأشخاص في عداد المفقودين"، معربًا عن صدمته "إزاء التقارير التي تفيد بأن ما لا يقل عن ثمانية أشخاص، بينهم حدثان، حُكم عليهم بالإعدام على خلفية الاحتجاجات، وبأن 30 شخصًا آخرين معرّضون لخطر الحكم نفسه". ودعا إلى "إجراء تحقيقات مستقلة ومحايدة وشفافة، وضمانات لمحاكمات عادلة، وفرض وقف فوري لتنفيذ عقوبة الإعدام". بالتزامن، يستمرّ تنظيم مراسم أربعينية لضحايا القمع في إيران، حيث ترفع شعارات منها "عاش الملك" و "الحرب حرب شرف، ومن يقف محايدًا لا شرف له".
وفي إطار مسلسل التهديدات اليائسة والمثيرة للشفقة الصادرة عن النظام الإيراني وأذرعه، توعّد رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي بأن "أي خطوة طائشة من أميركا ستشعل المنطقة". وهدّدت القوات الإيرانية بأن "أي تصرّف غير حكيم سيُشعل نارًا واسعة النطاق في المنطقة، وستتلقون ردًا لم تشهدوه من قبل في تاريخكم". وكانت "كتائب حزب الله" العراقية قد دعت مقاتليها إلى رفع الجهوزية والاستعداد لاحتمالية اندلاع "حرب طويلة" في المنطقة، محذرة واشنطن من تكبّد "خسائر جسيمة" إذا بدأت مواجهة عسكرية. وسبق أن أفاد مسؤول في "حزب الله" اللبناني لوكالة "فرانس برس" بأن الحزب لن يتدخل في حال كانت الضربات الأميركية لإيران محدودة، لكنه جزم بأنه سيتدخل حال استهداف المرشد الأعلى علي خامنئي أو محاولة إسقاط النظام الإيراني.