ريتا عازار

في "المكتبة الوطنية الفرنسية"

خراب جنوب لبنان بِعَين رندا ميرزا

6 دقائق للقراءة

في زمنٍ تتكاثر فيه صور الحروب حتى تفقد قدرتها على الإدهاش، تختار رندا ميرزا أن تتأنّى. لا تلاحق الحدث، ولا تنخرط في سباق اللقطة العاجلة، بل تقف حيث انتهى الانفجار وبدأ الصمت. عن سلسلتها "أطلال" (Ruines)، التي توثق القرى الجنوبية في لبنان بعد قصف خريف 2024، نالت المصوّرة اللبنانية "جائزة كاميرا كلارا 2025"، في تكريسٍ لنهج بصريّ يراهن على البطء بوصفه موقفًا، وعلى الدقة بوصفها مسؤولية.

في "المكتبة الوطنية الفرنسية" – "موقع فرنسوا ميتران" – تُعرض سلسلة "أطلال"، منذ كانون الأول 2025 وتستمرّ حتى 29 آذار 2026، في محطة مفصليّة ضمن مسار فني انشغل طويلًا بتمثيلات الحرب والمدينة والذاكرة. غير أن "أطلال" لا تكتفي بتوثيق ما تبقى، إنها تعيد صياغة النظر إلى الخراب نفسه، وتحوّل بقايا الأبنية إلى فضاء تأمُّل يتجاوز الخبر العابر نحو أسئلة أعمق عن الزمن، والأثر، واستمرارية الذاكرة في مواجهة المحو.


الكاميرا التزام

أُنشئت "جائزة كاميرا كلارا" عام 2012، بمبادرة من جوزفين دو بودينا - مورينو، وتُمنح سنويًّا لعمل مُنجز بكاميرا كبيرة المقاس. ففي زمن تُفضَّل فيه الصورة الرقمية السريعة والانتشار الفوري وتكاثر اللقطات، تفرض هذه الكاميرا البطء والزمن الممتدّ. تُلزِم المصوّر بالتحضير والتركيب وضبط الإطار وقياس الضوء. تحوِّل التقاط الصورة إلى فعل متأنٍ ومدروس. ومن خلال تكريم رندا ميرزا، يؤكّد تحكيم 2025 أهمية تصوير يقاوم تسارُع العصر بدل أن يستسلم له.


مسار متماسك

بالنسبة إلى ميرزا، يأتي هذا الاعتراف المؤسَّسي ضمن مسار راسخ. وُلدت في بيروت عام 1978، وطوّرت منذ مطلع الألفية مشروعًا فنيًا يلتفت إلى السرديّات الحضرية والبُنى الرمزية للبنان المعاصر. في "القنّاص" (2000–2002) تساءلت عن صناعة صُوَر الحرب. وفي "غرف مهجورة" (2005–2006) استكشفت فضاءات داخلية متروكة، معلّقة بين الذاكرة والغياب. أما "عوالم متوازية" (2006–2009)، وخصوصًا "بيروتوبيا" (2010–2020)، فاستكشفتا الأساطير الحضرية التي تنتجها المضاربات العقارية وتسويق الرفاهية، كاشفتَين الفجوة بين الوعود الإعلانية والواقع الاجتماعي.

في هذه السلسلات، تظهر بيروت بوصفها بُنية نقدية. ليست المدينة مجرّد خلفية، بل تختزل توترات بين إعادة البناء والمحو، وبين حداثة مُعلنة وصدمات كامنة. ويظلّ السؤال المحوريّ هو سؤال الصورة: كيف تُصنع؟ كيف تُشكِّل نظرتنا؟ وكيف تُنتج معنى أو وهمًا؟


مواجهة الدمار

تواصل "أطلال" هذه الأسئلة مع تحوُّل في المقاربة. فبدل تحليل أوهام الإعمار، تقف هذه المرّة في مواجهة الدّمار ذاته. أُنجزت السلسلة في قرى جنوب لبنان التي طالها القصف بين آب وكانون الأول 2024. تُظهر الصُّور واجهات ممزّقة، طوابق مسحوقة، وأكوامًا من الأسمنت غير المستقرّ. لا شيء استعراضي بالمعنى الإعلامي. لا أجساد ولا ظلال بشريّة، لا دخان ولا لهب. إنها مرحلة ما بعد الحدث، حيث يسود الصمت.

يُشكّل اختيار الكاميرا الكبيرة المقاس بُنية السلسلة بعمق. فنَصبُ جهاز كهذا في مناطق موسومة بالحرب يقتضي التزامًا جسديًا وذهنيًا. يحتاج الأمر إلى وقت لنصب الحامل الثلاثي، وضبط الإطار، وتحديد البؤرة على الزجاج الأرضيّ المقلوب، وإدخال الفيلم المُسطَّح. يتحوّل هذا البروتوكول إلى طقس، لا يجري اقتناص لحظة عابرة، بل توقُّف وتأمُّل ومواجهة لِما تبقّى.

هذا البطء فعلٌ سياسيّ. حيث تبحث صُوَر الأخبار عن الأثر الفوري، تفضِّل ميرزا الامتداد الزمني، ترفض جماليّة الصدمة. الدقة الفائقة في التفاصيل تعيد إلى الأبنية المدمّرة حضورًا يكاد يكون نحتيًّا. وتُعزز المواجهة المباشرة في التكوين هذا الإحساس، إذ تُعرَض "الأطلال" أمام المُشاهد بلا دراميّة ولا زوايا استعراضية. ويزيد الأبيض والأسود من هذا التحفظ. 


جذر شعري

يفتح عنوان السلسلة بُعدًا آخر، إذ تحيل "الأطلال" إلى عنصر مركزيّ في الشعر العربيّ الجاهلي. في القصيدة، يقف الشاعر عند بقايا الديار المهجورة. تصبح الآثار الماديّة من حجارة، رماد، وآثار أقدام، مُنطلَقًا لتأمُّل في الفقد والحب والزمن. باستعارة هذا المصطلح، تُدرِج ميرزا عملها في سلالة ثقافية. فالأبنية المدمَّرة في جنوب لبنان ليست مجرّد نتائج عسكرية، إنها أمكنة ذاكرة بالمعنى القويّ، منخرطة في تقليد شعري ووجداني طويل. لا يعود الخراب علامة كارثة فحسب، بل يُصبح نقطة ارتكاز للتفكير.

يتمثل أحد رهانات "أطلال" في فكرة الاستمرارية. تميل الحرب إلى فرض منطق القطيعة، فتبدو "الأطلال" علامة نهاية. غير أن بقايا ميرزا تشهد، على العكس، على تاريخ ممتدّ. تكشف الجدران الممزقة طبقات من دهانات وهياكل داخلية وبقايا حياة منزلية. 


الصورة كأرشيف

تُعرض الأعمال في "المكتبة الوطنية الفرنسية" ضمن برنامج "التصوير بأيّ ثمن"، وتفرض حضورها بحجمها، تُلزم جسد المُشاهد بأن يتموضع ويتحرّك. لا يُختزل الخراب في صورة صغيرة داخل سَيل رقميّ، بل يستعيد كثافته المادية.

في هذا السياق، تعمل الصورة بوصفها أرشيفًا فاعلًا، لا تكتفي بالتسجيل، بل تُبقي مرئيًا ما يسعى العنف إلى محوه. تؤكِّد أن هذه الأمكنة كانت موجودة، وأنها تحمل ذاكرة، وأنها مندرجة في استمرارية ثقافية وتاريخية. تصبح ثباتيّة الصورة شكلًا من أشكال مقاومة الإلغاء.


النظر كفعل

في زمن الشبكات الاجتماعية، تُتداول صُور الدمار بلا انقطاع، غالبًا منزوعة السياق، تُستهلك ثمّ تُنسى. تختار رندا ميرزا نظام انتباه مختلفًا، تُبطئ الزمن، تفرض التركيز، وتعيد إلى النظر كثافته. تتحوّل الدقة إلى فعل أخلاقي.

تواصل "أطلال" بذلك انشغالات ميرزا حول صناعة الصورة والذاكرة العمرانية والسرديّات المرتبطة بالأمكنة، لكنها تبلغ هنا كثافة خاصة. بمواجهتها أطلالًا حديثة في جنوب لبنان، تدخل الفنانة في حوار مباشر مع تاريخ يتشكّل. النتيجة ليست تقريرًا صحافيًا ولا إدانة استعراضية، إنها تأمُّل بصريّ منضبط ومتماسك، طريقة للقول إن الخراب ليس فقط علامة خسارة نهائية، بل يمكن أن يغدو موضع استمرارية ونقطة ارتكاز للذاكرة الجماعية.

وبحصولها على "جائزة كاميرا كلارا 2025"، يُكرَّس مسار دقيق ومتطلّب ووفِيّ لفكرة معيّنة عن التصوير، إنه فن الزمن والدقة والمسؤولية. في "المكتبة الوطنية الفرنسية"، تدعو صورها إلى مواجهة صامتة مع بقايا أرض مجروحة. وتذكّرنا بأن النظر، النظر حقًا، فعلٌ بحدّ ذاته، وأن في هذا الفعل المتأني تنعقد علاقة مختلِفة مع الزمن والذاكرة.


الفنانة في سطور

رندا ميرزا فنانة بصريّة لبنانية، يركّز عملها على تحليل صُور الصراع واستكشاف صورة المدينة في الخيال العام، وتحليل كيفية صناعة الصورة إعلاميًا في الشرق الأوسط. درست في "الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة" (ALBA) في بيروت، ثمّ تابعت دراستها في "جامعة باريس الثامنة". ومنذ مطلع الألفيّة، تُطوِّر ممارسة فنية تعتمد على التصوير الفوتوغرافي والفيديو، ترتكز على قراءة نقدية للذاكرة والخراب والتحوّلات العمرانية. وقد عُرضت أعمالها في معارض دولية عدّة، وهي ضمن مجموعات عامة وخاصة. تبقى بيروت المحور الأساسي في تجربتها الفنية، غير أن دراستها في فرنسا وحضورها المنتظم في معارض أوروبية، أسهما في تكوين حضور مزدوج لها بين لبنان وأوروبا.


من الصور المعروضة (موقع BeauxArts)


إلى الذاكرة (موقع BeauxArts)