زيزي إسطفان

مشاهدات رحلة لم تكتمل بين دبي وبيروت

6 دقائق للقراءة
حركة مشلولة (نداء الوطن)

كلهم كانوا على الموعد صباح السبت 28 شباط في مطار دبي الدولي رغم الأخبار التي كانت قد بدأت تنتشر منذ ساعات الصباح الأولى عن ضربة أميركية إسرائيلية على إيران. لم يشأ احد التصديق أن الحرب قد بدأت فعلًا وليست مجرد ضربات سريعة اعتادها اللبنانيون ولم تعد تخيفهم. اقتربت الساعة من الواحدة والنصف بتوقيت دبي موعد الإقلاع إلى بيروت ولم يستدعَ الركاب بعد للصعود إلى الطائرة وبدأ انتظار ثقيل مزنر بأسئلة لا جواب لها وتململ أتقنه اللبناني.

الهواتف لا تهدأ الكل يريد طمأنة الأهل في بيروت كما في دبي. وجملة واحدة تتردد على ألسنة الجميع: «مش عارفين شي! ألغيت الرحلة، لم تلغَ، تأجلت؟ لا جواب». الهواتف لا تهدأ والتململ بدا يتخذ صوتًا مرتفعًا. يقتربون من الكونتوار يسألون الموظفين المسؤولين في العادة عن صعود الركاب، يغيب هؤلاء لفترة في رواق خلف حاجز زجاجي ويعودون بلا أجوبة حاسمة. يجيبون على أسئلة المنتظرين لمجرد الرد، لا إعطاء إجابة. موظف مصري وآخر هندي وثالث لبناني يقفون حائرين بقدر الركاب. 

مرّت أكثر من ساعة وبدأ يتضح أن الانتظار سيطول. كثر ألغوا رحلتهم، ليسوا مضطرين للسفر ولا للانتظار كلهم من المقيمين في دبي .أما العائدون بعد رحلة، فمتلهفون للمغادرة ومستعدون للانتظار طوال الليل لو اقتضى الأمر. جملة اختصرت سوء حظهم: «لو كانت الرحلة قبل بساعة كنا تطمنّا».

 يقول أحدهم: «سارعوا إلى شراء الماء والطعام، لأن كل الرحلات تبدو مؤجلة». وبعد أن يهجم العالقون في المطار على الطعام  لا يجدون شيئًا. يسارع الجميع إلى التزود بالماء والسندويشات والقهوة. لكن المؤونة لا تدوم طويلًا، إذ يعلن أحد الموظفين أن الرحلة ألغيت وأن أحدهم سيرافق المسافرين إلى مكاتب الجوازات ثم إلى حيث يجب إعادة استلام الحقائب.

إعلان الإجراءات ولّد حالة من الهلع وسط الكثيرين لا سيما ممن أتوا في زيارة إلى دبي ويحملون تأشيرة دخول لمرة واحدة أو تأشيرة انتهت مدتها. «ما الحل هل يجددون تأشيرتنا؟ هل ندفع تكاليف فيزا جديدة؟ هل نستطيع الخروج من المطار بلا تأشيرة؟ «ارتباك وخوف وتساؤلات حسمها موظف الجوازات: سيتم الغاء ختم المغادرة وتبقى التأشيرة صالحة طوال مدة البقاء في دبي. هدأت الخواطر لفترة لكن طول الإجراءات والزحمة على مكاتب الجوازات جعلت الانتظار يطول ورفعت منسوب «السترس» (التوتر). الظروف القاهرة ولدت صداقات فورية الكل يحاول مساعدة الكل وينتظر رفاقًا له بالكاد يعرف وجوههم. 

انتظار الحقائب وإيجادها كان مصدر ضغط جديد لينكشف الوضع بعد استلامها وقد انقضى النهار عن سؤال جديد: ماذا الآن؟ أين نذهب؟ 

أحدهم كان آتيًا ليوم واحد في زيارة عمل سريعة، وليس لديه حجز في فندق أو من يمضي ليله عنده. سيدة تبكي بحرقة لأنها تركت ابنها ذا السنوات الست عند اختها في بيروت وهو ينتظر عودتها. «هل سيؤمن طيران الشرق الأوسط فنادق على نفقته؟ هل يؤمن النقلأقله؟»لا إجابات وكل مسؤول عن نفسه. ومن استلم حقيبته غادر مسرعًا ولم يعد يلتفت إلى الوراء...

ليل دبي

العودة إلى بيت ابني بعد مغادرته صباحًا ووداع الجميع ،كان طعمها مرًا ومتعبًا. وضعنا الحقيبة ولم اشأ فتحها علهم يستدعوننا للعودة إلى المطار ليلًا. الاتصال بمكتب الميدل إيست للاستعلام والاستفهام لم يكن ممكنًا بحجة الضغط على خطوط الشركة، لكن دويّ انفجار أول أقلق ليل دبي وأكد أن العودة إلى المطار مستحيلة الليلة. بدأ دوي انفجارات بعيدة يسمع وكأننا نستعيد أيامنا وليالينا في لبنان. أحد الأصوات كان أشد من سواه وبدأت تنتشر صور على مواقع التواصل عن حريق شب في فندق في منطقة النخلة. وتوالت الصور مع توالي الدوي وما عاد بالإمكان فرز الخبر الصحيح من الكاذب... تكثر الصور عن مسيّرة تنزل صوب برج خليفة وعن حريق في مول دبي هيلز وغيرهما من الأماكن لكن دون أية تأكيدات، وكأن الناس غير مصدقة ما يحدث في هذا البلد الذي كانوا يعيشون فيه وكأنهم في فقاعة خارج المكان والزمان.

أصوات طيران في الجو، صواريخ اعتراضية، مسيّرات، دوي انفجارات، تجمع أمام الشاشات، صراخ أطفال واتصالات هاتفية لا تهدأ هكذا كان ليل دبي. وإليه، أضيف صوت إنذار حاد ينطلق من الهاتف مسببًا نقزة للجميع تنذر فيه الداخلية المواطنين والمقيمين والزوار بتوخي الحذر ووجوب الابتعاد عن النوافذ والأبواب والاحتماء في الداخل، بدل البقاء في مساحات مفتوحة وذلك بسبب تهديد صاروخي محتمل... الإنذار بالعربية والإنكليزية ولغة الأوردو التي ظنناها بداية فارسية.

يتكرر دوي الانفجارات عدة مرات في الليل، ومعه تزداد الصور والأخبار المضللة ما دفع بوزارة الداخلية إلى الطلب بعدم نشر أو تداول الصور والأخبار المغلوطة تحت طائلة الغرامة وانتظار الأخبار من مصادر رسمية موثوقة.

دبي التي كانت تضج حياة واحتفالات وعجقة في الليل مع أمسيات شهر رمضان المبارك، بدت أكثر هدوءًا. لكن الشوارع والمطاعم في مناطق عدة استمرت في نمطها المعهود حسب ما كان ينشر من صور وفيديوات.

لكن الخوف لم يغب عن الناس لا سيما المقيمين في الوسط التجاري للمدينة حيث كانت أصوات الانفجارات أقوى من غيرها من المناطق. أحد الشبان اللبنانيين ترك غرفة نومه المزنرة بالواجهات الزجاجية وانتقل للنوم في المطبخ «المقفي» .

صباح الأحد الأول من بدء  الحرب، بدت الشوارع والطرقات هادئة على غير عادتها في دبي، ولم يغب دوي الانفجارات صباحًا الا أنه توقف بعد ذلك لفترة قبل الظهر.

كما في لبنان كذلك في دبي

 هرع الناس إلى السوبرماركت وهي كثيرة جدًا في البلد المزدحم بالسكان، يشترون عبوات المياه قبل أي شيء آخر، ويتمونون خبزًا ومعلبات وأطعمة مختلفة كل حسب جنسيته وأطعمته المحلية. الطوابير على الصناديق طويلة والعربات ملأى، وكأن الجميع واثق بأن الحرب طويلة. الأجانب الغربيون يبدون تائهين وفي غير محلهم. فعلى خلاف الروس والأوكرانيين، معظمهم لم يعرفوا الحرب في حياتهم ولا اختبروا ما يرافقها من خوف وضياع. وحدهم اللبنانيون يبدون متأقلمين مع الوضع: يحصون الصواريخ الاعتراضية،ويقدرون من أين انطلقت وأين ستسقط. ويعرفون بالضبط ما عليهم تخزينه. وبدأوا حتى بتركيب النكات على الوضع. السياسة لا تهم الناس كثيرًا في الإمارة الصغيرة. وتداعيات الحرب على المستوى الاقتصادي والسياحي والاستثماري تبدو لهم من انعكاساتها السياسية. اللبنانيون يحللون ويرسمون للبلد سيناريوات عدة ويتابعون المحللين العسكريين، وكأن الحرب في جنوب لبنان أو ضاحيته. ويبقى الهلع واحدًا بين دبي وبيروت...