في ضوء التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة إثر اندلاع الحرب المتوقعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يبرز سؤال مفصلي: ماذا سيفعل "حزب الله" بعد انتهاء دور الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ ولا سيما أنها دخلت فعليًا في العدّ العكسي، إما لانتهاء دورها كما عرفته المنطقة منذ قيام نظامها عام 1979 في الحد الأدنى، أو لانتهاء النظام نفسه في الحد الأقصى؟
الحرب التي اندلعت لم تكن مفاجئة بقدر ما كانت متوقعة وحتمية. ويُفترض أن طهران كانت تدرك أن لحظة المواجهة آتية لا محالة، وأن سياسة المراوغة وشراء الوقت بلغت نهايتها، وأن الخيارات التي كانت متاحة سابقًا أُغلقت تباعًا حتى وصلت إلى طريق مسدود.
كان بإمكان إيران أن تتفادى الضربة وتحفظ ما تبقى من هيكل نظامها، لو اختارت الاستسلام الدبلوماسي عبر التخلي عن مشروعها النووي والباليستي وأذرعها الإقليمية. لكنها اختارت المواجهة، فدفعت بنفسها نحو الحرب، وتتحمل بالتالي مسؤولية المسار الذي وصلت إليه الأمور.
اليوم، تبدو الخيارات أمامها محصورة في ثلاثة سيناريوات: استسلام عسكري كامل بعد رفض الاستسلام السياسي سابقًا، أو انزلاق إلى فوضى داخلية تقود إلى مرحلة انتقالية، أو إعادة إنتاج النظام نفسه بوجوه مختلفة وسياسات تقطع مع المرحلة السابقة.
لكن حتى في السيناريو الثالث، أي استمرار النظام بنسخة معدّلة، فإن إيران ما بعد هذه المواجهة لن تكون إيران التي عرفناها. وهذا التحوّل سينعكس مباشرة على "حزب الله"، الذي نشأ وتكوّن وتوسع تحت المظلة الإيرانية. وبالتالي، يطرح السؤال نفسه: ماذا سيفعل "الحزب" في مرحلة ما بعد انتهاء الجمهورية الإسلامية، سواء كنظام في الحد الأقصى، أو كدور في الحد الأدنى؟
هل يبادر إلى إعلان انتهاء مشروعه المسلح، ويسلك طريق التحول إلى قوة سياسية مندمجة في الدولة اللبنانية، حفاظًا على حضوره وشرعيته ضمن النظام؟ أم يتمسك بمشروعه العسكري المرتبط عضويًا بالمشروع الإيراني الذي يقترب من نهايته؟
إذا اختار المبادرة، يمكنه الحفاظ على ما تبقى من قوته السياسية والاجتماعية، والحد من الخسائر، خصوصًا أنه لم يعد يمتلك الغطاء الاستراتيجي والمعنوي الذي كانت توفره له الجمهورية الإسلامية. أما إذا تمسك بالسلاح تحت عنوان ما يسمى "المقاومة"، فإنه يضع نفسه أمام مخاطر تتجاوز البعد العسكري والسياسي إلى البعد الوجودي.
قد يواجه حربًا إسرائيلية واسعة تستهدف إنهاء قدراته العسكرية نهائيًا في الحد الأقصى، وقد تتسارع خطوات الدولة اللبنانية نحو بسط سلطتها على كامل أراضيها في الحد الأدنى، مدفوعة بمتغيرات دولية وإقليمية لم تعد تسمح باستمرار واقع السلاح خارج الشرعية، لأنه عندما ينتهي الأصيل لا يمكن أن يبقى الوكيل، وعندما يسقط المشروع الأساسي يستحيل أن يستمر المشروع الفرعي.
بمعنى آخر، أمام "الحزب" خياران لا ثالث لهما: المبادرة طوعًا، أو تحمّل نتائج الإصرار على مشروع يقترب من نهايته. المبادرة تمنحه فرصة إعادة التموضع وتقليل الخسائر، أما رفض التكيّف، فقد يقوده إلى هزيمة كبرى لا تقتصر تداعياتها عليه وحده، بل تمتد إلى بيئته الحاضنة.
وفي موازاة هذا السؤال، تبرز تساؤلات أخرى لا تقل أهمية: ماذا ستفعل إسرائيل بعد انتهاء المواجهة مع إيران؟ هل تعتبر أن الفرصة باتت سانحة لإنهاء امتدادات المشروع الإيراني في المنطقة، وعلى رأسها "حزب الله"؟ وهل ستتحرك عسكريًا إذا لم يسارع إلى تسليم سلاحه وتفكيك بنيته التنظيمية؟
وماذا ستفعل الدولة اللبنانية؟ هل تستثمر اللحظة الإقليمية لاستعادة قرارها السيادي بالكامل؟ أم تتردد وتعيد إنتاج تسويات رمادية تمنح إسرائيل ذريعة لمواصلة ضرباتها وتصعيدها وصولًا إلى إنهاء وضعية "الحزب" نهائيًا؟
يقف لبنان اليوم على أعتاب مرحلة جديدة. مرحلة ما بعد الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تشبه ما قبلها. والقرار الذي سيتخذه "حزب الله" في هذه اللحظة، سيحدد مستقبله ودوره في المرحلة المقبلة. فهل يبادر إلى التغيير قبل أن يُفرض عليه؟ أم ينتظر حتى تصبح كلفة الانتظار أعلى من قدرته على الاحتمال؟
كل ذلك، يفترض أن "الحزب" لن يقحم نفسه في الحرب. أما إذا نفذ ما لوّح به سابقًا بالتدخل في حال اغتيال علي خامنئي، فسيكون قد كتب نهايته بنفسه. فـ "الحزب" اليوم تفصيل في حرب كبرى، ومن مصلحته ليس فقط عدم الانخراط فيها تجنبًا لموت الآلاف، بل التفكير جديًا، بعد انتهائها، بالمبادرة إلى إعلان انتهاء مشروعه المسلّح والانتقال إلى العمل السياسي الصرف. عندها فقط يمكنه حماية نفسه وبيئته، بمعزل عن مصير النظام الإيراني، لأن مشروع تصدير الفوضى يكون قد بلغ نهايته.