هشام بو ناصيف

إيران: الإسلام هو الحل؟

4 دقائق للقراءة

عندما تصاب دول تحمل سرديات أيديولوجية كبرى بانتكاسات، ينبغي مساءلة مزاعمها. منذ أكثر من أربعين عامًا، بنى ملالي إيران مجتمعًا وفق منطق أن الإسلام هو الحل. جوهر ولاية الفقيه، حكم الملالي، أن الإسلام دين ودنيا، أي أنه نظام متكامل يعطي في آنٍ أجوبة لحاجات الإنسان الروحية على المستوى الفردي، وقواعد عامة ضرورية لتسيير شؤون المجتمع على المستوى السياسي. أما وأن الملالي هم من يدرسون الإسلام ويعرفونه جيدًا، فهم من يجب أن يحكموا مجتمعاته ليتاح لهم تطبيقه. هذه حجة نظرية "ولاية الفقيه" باختصار.

منذ انتصرت الثورة الإسلامية في إيران، تصالحت النظرية مع الممارسة. النتيجة بعد عقود واضحة للعيان: خسارة عسكرية على خلفية تأخر تكنولوجي لا تخطئه عين، ليست سيطرة إسرائيل على أجواء إيران، والخرق المعلوماتي الخطير لأسرار نظامها سوى مظهرين من مظاهره العديدة؛ ومجتمع مقموع، ذبح الملالي عشرات الآلاف منه طوال سنين ليستمروا بحكمه، وفيه اليوم من يرقص بينما تغير طائرات معادية على حكام بلاده من فرط رفضه لهم؛ وعزلة خانقة لدولة عندها لائحة طويلة من الأعداء، وليس معها حليف جدي واحد. متى وضعنا الصراخ والعواطف ونشيد "سلام يا مهدي" جانبًا، هذا هو الحصاد الحقيقي للحكم الإسلامي في إيران.

أبعد من إيران نفسها، أعاد الحكم باسم الإسلام تحريك الفالق التاريخي الذي قسم المسلمين منذ مات محمد واختلف المسلمون على خلافته، عنيت الفالق السني - الشيعي. معلوم أن الحرب العراقية - الإيرانية خلفت وراءها مليونًا من القتلى والجرحى في البلدين. يعني هذا أن تحت حكم ملالي الإسلام، لا حكم الشاه، تورطت إيران بأكبر مقتلة مسلمين في العصر الحديث. وتحت حكم ملالي الإسلام أيضًا، دعمت إيران بشار الأسد يوم أمطر مدن سوريا بالبراميل والأسلحة الكيميائية، وصولًا إلى ثاني أكبر مجزرة مسلمين بالعصر الحديث بعد الحرب العراقية - الإيرانية، إذا قبلنا الرقم الشائع عن الحرب الأهلية السورية وهو نصف مليون من القتلى والجرحى.

رب قائل أن لا علاقة لحكم الإسلام بكل هذا باعتبار أن الملالي لم يطبقوا الإسلام الحقيقي. حسنًا. أي أصولي طبّقه أو يطبقه؟ طالبان في أفغانستان؟ حركة حماس في غزة؟ الإخوان المسلمون في مصر لسنتين فصلتا سقوط حسني مبارك عن انقلاب عبد الفتاح السيسي؟ النتيجة لم تكن مبهرة بكل هذه التجارب. تقديري أن جل العالم الإسلامي يوافق على أن نتيجة داعش زمن خلافتها لم تكن مبهرة بدورها. ثم أن شرعية الخلافة العثمانية كانت مستمدة من حكم الإسلام؛ وطوال قرونها الطويلة، تقدمت أوروبا، بينما صارت السلطنة رجلها المريض، قبل أن تنهار بعد هزيمة عسكرية كانت مذلة كما هزيمة إيران مذلة اليوم.

لا يستطيع الإسلاميون أن يأخذوا مجتمعاتهم من كارثة إلى أخرى ثم يحاججوا بعدها أن لا علاقة لنظريتهم بالمآسي اللاحقة باعتبار أن ما تم تطبيقه لم يكن "الإسلام الحقيقي". في ظل الحكم الإسلامي، لا سواه، قتلت السلطات فتاة اسمها مهسا أميني لأنها لم تضع الحجاب كما ينبغي. هذا في إيران. وفي ظل الحكم الإسلامي، لا سواه، منعت طالبان المرأة من العلم. وبينما يرتفع التدين بطول العالم الإسلامي وعرضه، وتكثر المساجد، ويتناوب الوعاظ الدينيون على تشكيل وعي المجتمع ومقاربته لمسائل أساسية كالسياسة، ودور المرأة فيه، والجنس، تنتقل نفس المجتمعات من هزيمة عسكرية إلى هزيمة أخرى، وتغادر الأقليات الدينية بحثًا عن حياة كريمة في مكان آخر، ويستمر الفقر، والتأخر التكنولوجي. رب قائل إن هناك مدنًا إسلامية يتقاطر الناس إليها لا هربًا منها، وهذا صحيح. الحياة في دبي، عندما لا تقصفها إيران، جميلة. ولكن حكامها أبعد الناس عن منطق أن الإسلام هو الحل. صدفة؟ لا أظن.