تأكّد رسميًا مقتل المرشد الأعلى في إيران، علي خامنئي. وبعد ساعات، خرج الأمين العام لـ "حزب الله" نعيم قاسم ليقول بوضوح: "لن نترك الميدان"
عبارة ثقيلة، محسوبة ومقصودة.
لكن بالتوازي، صدرت دعوة إلى تجمّع جماهيري في باحة عاشوراء - الضاحية الجنوبية، تنديدًا بالاغتيال ووفاءً للمرشد. هنا يفرض السؤال نفسه: إذا كان "الميدان" لن يُترك، فهل الميدان هو الشارع؟ هل النزول إلى ساحة عاشوراء هو المقصود بالتمسّك بالميدان؟
المفارقة حادّة. لأن كلمة "الميدان" في أدبيات "الحزب" لم تكن يومًا توصيفًا لتجمّع جماهيري. الميدان كان يعني الجبهة. السلاح. الحدود. الاشتباك المفتوح. كان يعني فعلًا عسكريًا، لا فعلًا رمزيًا.
وحين أُضيئت صخرة الروشة سابقًا بشعارات ورسائل ليزرية، قيل يومها إن "المقاومة أصبحت أداة ليزر". والمشهد حينها بدا استعراضيًا أكثر منه ردعيًا، كأن القوة تحوّلت إلى صورة ضوئية. اليوم، وبعد اغتيال شخصية بحجم خامنئي، لا ليزر ولا إطلاق نار - باستثناء إطلاق النار الذي حصل في الضاحية بعد خبر مقتل الخامنئي، وكان تصرّفًا غاضبًا يمكن غض النظر عنه، ولو أنه عمليًا لا يمكن غض النظر عنه بالكامل - ولا إعلان معادلات جديدة. فقط دعوة إلى وقفة.
هنا يبرز السؤال الحقيقي: هل هكذا أصبحت "المقاومة"؟
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، كان بإمكان "الحزب" أن يرفع السقف عاليًا، أن يربط الحدث بساحات متعددة، أو أن يلوّح بردود تتجاوز الحدود اللبنانية. لكنه اختار "التجمع"، لا الجبهة.
هل هذا ضعف؟ أم إعادة تموضع؟
بكل صراحة، الجواب أكيد: ضعف. لا تلاعب بالكلمات ولا مبالغة. من كان يتباهى بالميدان كجبهة، صار اليوم الليزر معيارًا لمقاومته، وصار اليوم يحسب قوته بعدد المشاركين في وقفة. إضاءة صخرة الروشة تحوّلت يومًا ما إلى استعراض ليزري مضحك، واليوم الدعوة للتجمّع تؤكد أن الميدان الذي تحدث عنه نعيم قاسم ليس إلا مسرحًا شعبيًا.
وهنا يكمن التحوّل الأهم. لطالما طالب جزء كبير من اللبنانيين بأن يصبح "الحزب" حزبًا سياسيًا طبيعيًا، يمارس عمله ضمن مؤسسات الدولة، ويعبّر عن مواقفه كما تفعل سائر القوى: بيانات، مهرجانات، اعتصامات. لا عبر معادلات عسكرية تتجاوز الدولة. فإن كان الرد على اغتيال شخصية بحجم المرشد الأعلى هو وقفة تضامنية لا أكثر، فهذا مؤشر - ولو جزئيًا - إلى تغيّر في طريقة إدارة الصراع.
والأهم من كل ذلك، أصبح واضحًا لكل من يتابع: قرار السلم والحرب في لبنان صار بيد الدولة فقط. لا "ميدان" خارجيًا، لا تنفيذ للمعادلات خارج إطار الدولة، ولا أي قرار مستقل لحزب أو جهة عسكرية غير الدولة. لبنان، بكل ضعفه، يحتفظ اليوم بسلطة القرار، وهذا تطور أساسي بعد سنوات من التهديدات والخطابات الاستعراضية.
المقاومة التي كانت تُقاس بعدد الصواريخ، هل يمكن أن تُقاس اليوم بعدد الحشود؟ المعادلة التي كانت تُرسم بالدم والنار، هل تتحوّل إلى معادلة خطاب سياسي؟
قد يكون الجواب مبكرًا. لكن ما حصل ليس تفصيلاً عابرًا. هو مشهد يستحق التوقف عنده. لأن لبنان، المنهك اقتصاديًا وأمنيًا، لم يعد يحتمل أن يكون ساحة ردّ تلقائي على كل تطور إقليمي. وأي خطوة تُبقي التفاعل ضمن الإطار السياسي، لا العسكري، هي خطوة تُجنب البلد انزلاقًا إضافيًا.
ليس خطأ أن يتضامن حزب مع حليفه. وليس خطأ أن يعبّر عن حزنه وغضبه. الخطأ كان دائمًا في تحويل لبنان إلى منصة اشتباك مفتوح. فإذا كان التعبير اليوم هو وقفة، لا مواجهة، فهذا تطوّر يجب رصده ببرودة أعصاب، لا بشعارات.
ربما، فقط ربما، نكون أمام بداية مسار مختلف: حزب يمارس السياسة كحزب. يعترض كحزب. يتضامن كحزب. لا كتنظيم عسكري عابر للدولة.
وإن صحّ ذلك، فالمشهد - مهما بدا عاطفيًا - قد يحمل في طيّاته مؤشرًا إيجابيًا، ولو بحذر شديد.
التحوّل ليس في الشكل فقط، بل في المعنى. حين يُغتال رأس النظام في طهران، ويكون الردّ في بيروت وقفة تضامنية، فهذا يعني أن الدرس واضح: أي فعل خارج الدولة لن يحدث. كل استعراض سابق، وكل تهديد بالميدان، أصبح مجرد مادة للسخرية. لبنان اليوم، من دون أن ينوي أحد ذلك، هو الرابح الأكبر: القرار العسكري والسياسي لم يعد بيد أي حزب، بل بيد الدولة فقط.