لم تكن العلاقة اللبنانية – الفلسطينية يومًا ملفًا عابرًا في تاريخ لبنان الحديث، بل شكّلت أحد أكثر عناصره حساسية وتأثيرًا في مسار الحرب والسلم، وخصوصًا في الوعي المسيحي الذي ارتبطت ذاكرته بمحطات دامية وتحوّلات بنيوية كبرى. لذلك، فإن الانفتاح الفلسطيني الرسمي على المكوّنات المسيحية اللبنانية اليوم لا يمكن التعامل معه كمجرد خطوة بروتوكولية، بل كتحوّل سياسي يحمل أبعادًا تتصل بجوهر الاستقرار اللبناني .
يأتي هذا الانفتاح في توقيت دقيق، داخليًا وإقليميًا، حيث تتقدّم أولوية تثبيت منطق الدولة وحصرية السلاح بيدها. ومن هنا، فإن أي مقاربة جديدة للعلاقة لا بد أن تنطلق من الاعتراف بأن المخاوف التاريخية لم تكن وهمًا، بل نتاج تجربة قاسية طبعت الوجدان السياسي اللبناني لعقود .
رسائل تطمينية تمسّ جوهر الهواجس
تحمل اللقاءات المتبادلة في المرحلة الأخيرة بين السفير الفلسطيني في لبنان الدكتور محمد الأسعد، وممثل الرئيس الفلسطيني في لبنان ياسر محمود عباس، وعدد من الأحزاب والشخصيات المسيحية ذات الحضور الكنسي والاجتماعي والإعلامي، في مضمونها رسائل مباشرة إلى البيئة المسيحية .
في مقدمة هذه الرسائل، تأكيد واضح على رفض التوطين والتمسّك بحق العودة كخيار وطني غير قابل للمساومة. وهذه نقطة مفصلية، لأن هاجس التوطين ظل لعقود العقدة المركزية في مقاربة المسيحيين للوجود الفلسطيني. يلي ذلك، التشديد على احترام الخصوصية اللبنانية وصيغتها الدقيقة، وعدم التعامل مع الوجود الفلسطيني كعامل ضغط ديموغرافي أو سياسي. أما الرسالة الثالثة، فتمثلت في تحييد المخيمات عن أي صراعات داخلية أو إقليمية، بما يقطع الطريق على تكرار تجارب الماضي التي دفع الشعبان أثمانًا باهظة نتيجة انفلاتها .
هذه العناوين ليست تفصيلًا سياسيًا، بل تدخل إلى صلب معادلة العيش المشترك، حيث يتقاطع الأمن بالهوية، والسيادة بالتوازنات الديموغرافية.
واقعية متبادلة… لا تنازلات سيادية
في المقابل، يعكس تجاوب القوى المسيحية مع هذا المسار مقاربة أكثر واقعية وأقل انفعالية. فالقطيعة لم تُنتج حلولًا، بل أبقت الجراح مفتوحة. غير أن الواقعية هنا لا تعني التنازل عن الثوابت، بل التمييز بين السيادة كإطار حاكم، والحقوق الإنسانية كضرورة أخلاقية واستقرارية. إن حماية الكيان اللبناني لا تتعارض مع تأمين الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية للاجئ الفلسطيني، شريطة أن تبقى كل معالجة ضمن إطار القانون اللبناني.
تثبيت المرجعية اللبنانية
الأهم أن الانفتاح الفلسطيني لا يبدو موجّهًا نحو بناء تحالف داخلي أو التموضع ضمن محور لبناني ضد آخر. فالسلطة الفلسطينية والفصائل المنضوية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وفي طليعتها حركة "فتح"، تدرك حساسية الاصطفافات الداخلية اللبنانية. لذلك جاء الخطاب الفلسطيني حذرًا، يركّز على إعادة بناء الثقة وتثبيت التعامل عبر القنوات الرسمية للدولة اللبنانية حصرًا .
وقد تُرجم هذا التوجّه بلقاءات فلسطينية رسمية مع رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ولجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني، بما يعكس انتقال الملف من مستوى الرسائل السياسية إلى مستوى المعالجة المؤسسية المنظمة. وهذه النقطة بالذات تشكّل تحوّلًا نوعيًا، لأن أحد أبرز أسباب الخلل التاريخي كان إدارة العلاقة خارج مؤسسات الدولة.
قرار محمود عباس: خطوة مفصلية
في هذا السياق، شكّل إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس موافقته على تسليم السلاح من داخل المخيمات إلى الدولة اللبنانية محطة مفصلية. فالقرار، الذي تُرجم عمليًا عبر تسليم السلاح الثقيل لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، لا يحمل بعدًا أمنيًا فحسب، بل دلالة سياسية عميقة عنوانها احترام السيادة اللبنانية وحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني .
العقدة الإنسانية… نصف الطريق الآخر
وكشفت مصادر لبنانية مطلعة أن أكثر القضايا حساسية تتصل بكيفية تعزيز الاستقرار داخل المخيمات الفلسطينية، مشيرة إلى أن الواقع الإنساني المتفاقم لم يعد تفصيلًا اجتماعيًا، بل عاملًا مباشرًا في معادلة الأمن اللبناني .
لا يطالب اللاجئ الفلسطيني بالتوطين، بل بحقوق إنسانية ومدنية أساسية إلى حين عودته، تشمل تنظيم حق العمل ضمن أطر قانونية عادلة، وتحسين الخدمات الصحية والاجتماعية، ورفع القيود التي تعمّق الهشاشة الاقتصادية. فبيئة يختلط فيها الفقر بالتهميش تصبح أرضًا خصبة للاختراقات، وأي معالجة أمنية لا تترافق مع معالجة اجتماعية تبقى ناقصة .
من هنا، فإن ملاقاة الدولة اللبنانية للاجئين في "النصف الثاني من الطريق" لا تُعد تنازلًا، بل استثمارًا في الاستقرار الداخلي، لأن تعزيز الكرامة الإنسانية ضمن سقف القانون اللبناني يخدم أولًا المصلحة اللبنانية، ويحصّن الداخل من أي استثمار خارجي في هشاشة المخيمات .
اختبار الثقة… وفرصة لإعادة إنتاج التوازن
في المحصلة، يقف لبنان أمام اختبار مزدوج: اختبار لجدّية التحوّل الفلسطيني في تثبيت خيار الدولة واحترام السيادة اللبنانية، واختبار لقدرة الدولة اللبنانية ومكوّناتها، وخصوصًا المسيحية، على إدارة الملف بعيدًا من أسر الذاكرة الصدامية .
إنها لحظة مفصلية: إما أن تتحوّل إلى فرصة لإعادة إنتاج توازن وطني أكثر صلابة، أو أن تضيع في دوامة الشكوك المتبادلة. وفي بلد يقوم على دقة التوازنات، لا يُقاس النجاح بارتفاع الخطاب، بل بترجمة الالتزامات إلى سياسات عملية تحمي السيادة اللبنانية، وتؤكد ثوابت القضية الفلسطينية، وتبني جسور ثقة حقيقية بين شعبين جمعتهما الجغرافيا وأثقلتهما الذاكرة .