شارل جبور

"حزب الله" يُطلق الصواريخ على نفسه

4 دقائق للقراءة

عندما أعلن "حزب اللّه" حرب الإسناد ضد إسرائيل، تصرّف كمن يظن أنه ما زال يملك ترف إدارة التصعيد وفق قواعد اشتباك يضعها هو. دخل المواجهة معتقدًا أنه يستطيع ضبط إيقاعها كما فعل في جولات سابقة، وأنه قادر على فتح الجبهة وإقفالها متى شاء.

لكن ما لم يدركه منذ اللحظة الأولى، أن إسرائيل هذه المرّة لم تكن في وارد خوض حرب محدودة على غرار حروبها السابقة، فخرجت المواجهة سريعًا من إطارها التقليدي. ووجد "الحزب" نفسه أمام قرار إسرائيلي غير مسبوق: الذهاب حتى النهاية. لم تعد المسألة رسائل بالنار، بل حربًا مفتوحة انتهت باغتيال أمينه العام وقادته وضرب بناه العسكرية، وصولًا إلى لحظة الإذعان في 27 تشرين الثاني 2024، حين فُرض عليه واقع واضح: التوقف عن إطلاق الصواريخ، فيما تستمرّ إسرائيل في استهدافه متى تشاء.

كانت تلك لحظة سقوط معادلة الردع وتوازن الرعب ووحدة الساحات وسائر الشعارات التي رُفعت وسقطت في الميدان، وتبيّن أنها لم تكن سوى أدوات تعبئة سياسية فارغة. وكان يفترض به أن يتعظ من تجربة "إسناد غزة" التي قادت إلى هزيمة واضحة، وإلى نكبة أصابت الطائفة التي ادّعى تمثيل تطلّعاتها.

ومع اندلاع المواجهة الكبرى بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تكثفت الضغوط الخارجية والداخلية لتحييد لبنان حرصًا على سلامة اللبنانيين. فدخول "الحزب" على خط مواجهة كبرى لن يغيّر مسارها، خصوصًا أنه خرج من حرب الإسناد منهكًا ومحاصرًا ومهزومًا عسكريًا. فكيف يمكنه أن يسند طهران اليوم وهو في هذا الوضع؟ وأيّ تدخل لن يكون عملًا عسكريًا بقدر ما سيكون مقامرة كارثية في ظلّ بيئة ما زالت مشرّدة، وقرى مدمّرة، وأهالٍ لم يعودوا إلى منازلهم، وبنية اجتماعية تتخبّط تحت وطأة الخسارة.

هنا يفقد إطلاق الصواريخ أي معنى عسكري أو سياسي. فالحروب، مهما كانت قاسية، تقوم على أهداف واضحة ضمن موازين قوى محدّدة. أمّا إطلاق الصواريخ لمجرّد إطلاقها، من دون قدرة على التأثير في ميزان القوى أو المشهد العسكري، فليس مواجهة بل عبثًا مدمّرًا يرتدّ على مطلقه. فالحروب ليست محظورة في العالم، أمّا المحظور فهو الإرهاب، لأنه يمارس العنف لذاته ومن أجل العنف. وإطلاق الصواريخ لمجرّد إطلاقها، مع العلم بما ستجرّه من ويلات وكوارث، هو عملٌ إرهابي لا يقلّ خطورةً عن ذلك.

إنها صواريخ على الذات، لأن حجم الردّ معروف، والثمن سيدفعه اللبنانيون أولًا، وبيئة "الحزب" تحديدًا. وأي دخول في الحرب لن يضرّ بإسرائيل بتاتًا بقدر ما سيدمّر ما تبقى من مجتمع احتضن "الحزب" لعقود، وبلد لم يتعافَ أصلًا من أزماته وحروبه. وهذا يكشف طبيعة القرار: ليس قرار قوة تدافع عن مجتمعها كما تدّعي، بل قرار جهة تنفذ وظيفة ضمن مشروع إقليمي أوسع لا يرى في لبنان سوى ساحة موت وفوضى.

حتى لو طلبت منه إيران التدخل، فإن الحدّ الأدنى من المسؤولية تجاه ناسه كان يفرض عليه الرفض. لكن من لا يملك قراره لا يستطيع حماية بيئته، التي تركها في العراء، تخلي منازلها ليلًا من دون مأوى أو أفق واضح.

في المقابل، جاء قرار الحكومة بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ "الحزب"، وتكليف الأجهزة العسكرية تنفيذ القرار، والمطالبة بتسليم سلاحه فورًا، وبحصر السلاح شمال الليطاني، ليؤكد أن ما قبل إطلاق الصواريخ لن يكون كما بعده، وأن مرحلة الاحتواء انتقلت إلى مرحلة فرض سلطة الدولة حمايةً للبنان واللبنانيين.

إن ترك مصير بلد كامل بيد تنظيم لا يحسب كلفة الحرب على ناسه والبلد هو وصفة لانتحار جماعي، وما أطلقه من صواريخ لم يفتح جبهة على إسرائيل، بل فتح الجبهة على لبنان نفسه. وكانت إسرائيل أعلنت بوضوح أنها لن توسّع الحرب ما لم تُستهدف، لكنها ردّت حين استهدفت رغم التحذيرات.

لم يسبق أن عرف لبنان إجماعًا كالذي صدر عن الحكومة ومعظم القوى السياسية، إلى حدّ أن  حلفاء "الحزب" السابقين دانوا خطوته، ما يرفع أي غطاء عنه، ويمنح الحكومة كل الغطاء اللازم لإنهاء هذا التنظيم الذي يشكل مجرّد وجوده خطرًا على لبنان واللبنانيين.

فالصواريخ التي أطلقها لم تُطلق عمليًا نحو إسرائيل، بل نحو ناسه وأهله والبلد. لقد أنهى نفسه بنفسه. إن الكلفة كانت فادحة، من دمٍ ودمار، لكن إذا كان من نتيجة يمكن أن تُستخلص، فهي أن إنهاء هذه الوضعية الشاذة يشكّل بداية خلاص للبنانيين.