حتى الآن، لم تشهد مناطق الشمال وعكار موجات نزوحٍ واسعة كتلك التي سُجّلت منذ اليوم الأول من "حرب إسناد غزة".
غير أن المؤشرات الميدانية والإجراءات الرسمية توحي بأن هذه المناطق قد تكون مجدّدًا في واجهة الاستجابة الإنسانية إذا ما استمرّ التصعيد واتسعت رقعة النزوح من مناطق الجنوب والضاحية والبقاع كما هو متوقع في الساعات المقبلة. فقد حدّدت الحكومة لائحة مراكز إيواء محتملة، ضمّت عددًا كبيرًا من المدارس الرسمية في طرابلس والكورة والمنية وعكار، تحسّبًا لوصول عائلاتٍ نازحة في أيّ لحظة.
وفي مؤشرٍ ميدانيّ لافت، بدأ عدد من سكان المناطق الجنوبية، الحدودية وغير الحدودية، منذ أيام، بالبحث عن منازل وشقق للإيجار في الشمال، ولا سيّما في طرابلس ومحيطها، في خطوة استباقية تعكس خشية اتساع المواجهات وصعوبة البقاء في مناطقهم.
هذا التحرّك، وإن لم يترجم بعد بنزوحٍ واسع، يعكس انتقال الأزمة من مرحلة التوقع إلى مرحلة التحسّب العملي لدى الأهالي، ويؤشر على احتمال تزايد التدفقات إذا استمرّ التصعيد.
إلى ذلك، أصدرت بلديات عدّة في الشمال بياناتٍ تحذيرية دعت فيها المواطنين إلى الإبلاغ عن أي عمليات تأجير لمنازل أو شقق لنازحين محتملين، والتشديد على ضرورة التنسيق المسبق معها ومعرفة كامل تفاصيل العائلات التي تنوي السكن ضمن النطاق البلديّ. هذه الإجراءات، التي تندرج في إطار التنظيم والاحتراز، تعكس محاولة السلطات المحلية استباق أي فوضى سكنية أو ضغط مفاجئ، فضلًا عن ضبط حركة الوافدين وتوزعهم بما يراعي القدرة الاستيعابية لكلّ بلدة، وبما يحدّ من احتمالات التوتر ويؤثر سلبًا على الوضع الأمنيّ لهذه البلدات.
تداعيات أزمة فُرضت
يضع هذا الواقع الشمال وعكار أمام معادلة قاسية: الاستعداد لتحمّل تداعيات أزمة لم تكن يومًا ضمن خياراتهما. فالمنطقتان اللتان استوعبتا على مدى سنوات أعباء النزوح السوري، إلى جانب نزوح لبنانيين من مناطق الجنوب في 2024، تجدّدان اليوم جاهزيتهما اللوجستية والاجتماعية لاستقبال نازحين لبنانيين، نتيجة إدخال "حزب اللّه" لبنان وبيئته في حربٍ لا ترى فيها أكثرية اللبنانيين مصلحة وطنية، ولا طائل مباشرًا على المجتمعات البعيدة من قرارها.
لا تعني التحضيرات القائمة أن موجات النزوح وقعت بعد، سواء بسبب تريّث بعض العائلات في الانتقال شمالًا، أو بفعل حساسياتٍ وتوتراتٍ متراكمة خلال الأشهر الماضية كان وراءها بعض الغوغائيين من بيئة "الحزب"، ربطًا بالتطوّرات السورية بعد التحرير. لكنها تكشف في الوقت نفسه عن حجم التوقع الرسمي لاحتمال اتساعها.
في الميدان، يسود ترقب حذر. وتتابع البلديات التطوّرات، وتحدّث لوائح القدرات المتاحة، فيما تعكس بيانات التنظيم السكني الأخيرة مستوى القلق من تحوّل التدفق المحتمل إلى موجة يصعب احتواؤها. غير أن المزاج العام في الشمال وعكار يجمع بين واجب الاستعداد الإنساني وشعورٍ ضاغط بأن هذه المناطق قد تُستدعى مرةً جديدة لتحمّل نتائج خيارات سياسية وعسكرية لم تكن شريكة فيها.