منذ سطوع نجم الثورة الإسلامية في إيران قبل نحو خمسة عقود، وضع ملالي طهران نصب أعينهم هدف القضاء على إسرائيل. لم يكن الهدف المعلن نظريًا فقط، بل بذل حكام طهران الجدد بعد عام 1979 الغالي والنفيس لتحويل مرامهم إلى استراتيجية طويلة الأمد وواضحة المعالم، تمثلت خصوصًا في "وضع اللبنة الأولى" لأذرعهم في المنطقة، وعلى رأسها "حزب اللّه" و "حماس"، اللذان جاهرا مرارًا وتكرارًا بأن الدولة العبرية كيان آيل إلى الزوال. بالتالي أمسى التزام نظام آيات اللّه ووكلائه في المنطقة مذ ذاك بتدمير إسرائيل، جوهر عقيدة ملالي طهران و "حجر الزاوية" فيها، إذ من دون هذا الالتزام "الديماغوجي"، يفقد النظام المؤدلج علّة وجوده وشرعيته.
يظهر جليًا أن النظام الإيراني، ذا الطموحات التسلّحية والنووية العسكرية، شكل أرقًا مزمنًا للإسرائيليين منذ نحو 47 عامًا، مدعومًا بأذرعه التي امتدّت إلى دول الجوار، ليبلغ الخطر على الدولة اليهودية ذروته فجر 7 أكتوبر ويتجلّى في عملية "طوفان الأقصى". لذلك كان من البديهي أن يبادر رئيس الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة بنيامين نتنياهو إلى افتتاح الحرب الحالية ضدّ النظام الإيراني في عملية مشتركة مع قاطن البيت الأبيض، الذي انضمّت مقاتلاته المرعبة وحاملتا طائراته الأسطورية إلى الحرب التي ستغيّر حتمًا وجه البلاد والمنطقة برمّتها.
فيما حاول قائد سفينة "العمّ سام" تفادي الحرب مع نظام الملالي، أو تأخير موعدها على الأقلّ، من خلال انخراطه في مفاوضات معهم، على وقع استعراض قوّة بلاده المهولة على تخوم إيران، في محاولة يائسة منه لتطويع النظام المتزمّت، لم يخفِ نتنياهو وفريقه الحاكم حماستهما المفرطة لضرب إيران، في ظلّ توجّسهما، لا بل رفضهما أي اتفاق معها يكون محدّدًا زمنيًا، وقد اشترط نتنياهو نفسه أن يكون أي اتفاق أميركي - إيراني لمدى الحياة، بغية قطع الطريق نهائيًا على طموحات طهران النووية في المستقبل.
رغم أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضدّ إيران غدت واقعًا مريرًا ومميتًا لها، لم ييأس الرئيس الأميركي دونالد ترامب من مواصلة دعواته لمن تبقى من صناع القرار في طهران إلى فتح قنوات دبلوماسية مع بلاده لإبرام صفقة. في المقابل، ترفض تل أبيب انتهاج أي أطر دبلوماسية أميركية مع طهران، لا بل تجهد كي لا تكون الضربة على إيران محدودة وموضعية، بل ترنو إلى إسقاط نظام الملالي واقتلاعه من جذوره، لتيقنها بأن بقاء آيات الله على رأس السلطة، يعني بقاء التهديد الوجودي والسيف المصلت على رقاب الإسرائيليين. وهنا يعتبر العقل الإسرائيلي أن استمرار النظام الإيراني، رغم فقدان رأسه بمقتل خامنئي، في حكم طهران، يعني أن جولات قتال جديدة آتية لا محالة عاجلًا أم آجلًا بين إسرائيل وإيران، وأن كل جولة تنذر بأن تكون أصعب من سابقاتها وأكثر تعقيدًا، بحكم أن نظام آيات الله فقد الكثير بمقتل ولي أمره، ولم يتبقَ له شيء يخسره.
في المحصّلة، أثبتت دقائق الحرب الأولى، أن العملية التي أسمتها إسرائيل "زئير الأسد"، والولايات المتحدة "الغضب الملحمي"، وردّت عليها إيران بعملية "الوعد الصادق 4"، أنه بين "زئير" نتنياهو و "غضب" ترامب ... "وعد" خامنئي الجديد لم يصدق، كما سائر وعود أذرعه المعطوبة في المنطقة.