تزداد الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضدّ إيران وأذرعها حدّة واتساعًا في المنطقة مع تسعير طهران عدوانها على دول الخليج العربية، فضلًا عن إقحام "حزب الله" لبنان في أتون مواجهة مفتوحة ستضع نتائجها مداميك النظام الإقليمي الجديد. لقد فقد نظام الملالي صوابه بعد اغتيال المرشد علي خامنئي ومعه عشرات القياديين في "الجولة الافتتاحية" للحرب. تعتمد طهران، المقطوعة الرأس، سياسة "عليّ وعلى أعدائي" وتجهد لإلحاق أكبر قدر من الأذى بأعدائها وجيرانها، طالما أنها واقعة تحت النار ونظامها مهدّد بالسقوط، خصوصًا أن "الجوّ العام" في إيران استحال معاديًا لنظام الجمهورية الإسلامية ويتحيّن الفرصة السانحة للإنقضاض على الحكم الثيوقراطي والتخلّص منه.
ترفض طهران التفاوض مع واشنطن وتقديم تنازلات لوقف الحرب وتؤكد أنها استعدّت لحرب طويلة، كما أعلنت إغلاق مضيق هرمز، متوعّدة بحرق أي سفينة تحاول عبوره، حتى أن "فيلق القدس" ذهب إلى حدّ التوعّد بأن أميركا لن تكون آمنة بعد الآن. يخوض ملالي طهران "حربًا وجودية" ضدّ الداخل والخارج، وأصبحوا في وضعيّة بالغة الخطورة على "رقعة الشطرنج"، وتاليًا هم مستعدّون للتضحية بالبلاد في سبيل قضيّة إلغائية خاسرة لم تجلب سوى الحروب والمآسي على شعوب المنطقة. تحاول دول الخليج العربية تمرير هذه المرحلة المفصلية بأقلّ قدر ممكن من الخسائر مع حرصها على سلامة مواطنيها والمقيمين فيها، وتتصدّى بحزم للضربات الإيرانية الصاروخية والمسيّرة، وكان لافتًا إعلان الدفاع القطرية إسقاط مقاتلتي "سو 24" قادمتين من إيران. هذا المشهد العصيب مرشح للاستمرار في المدى المنظور طالما لم تتحقق أهداف عملية "الغضب الملحمي" ولم يطرأ تطوّر حاسم يُنهي الحرب.
تمضي واشنطن بعملياتها بزخم لتحقيق غاياتها منها، كما أنها لوّحت بورقة "جنود على الأرض"، إذ رفض الرئيس ترامب استبعاد إرسال قوات برية أميركية إلى إيران "إذا كانت ضرورية"، لكنه رجّح أنه لن يحتاج إلى ذلك. وكشف أن الهجوم قد يستمرّ "من أربعة إلى خمسة أسابيع... ولدينا القدرة على الاستمرار لفترة أطول بكثير من ذلك"، مشددًا على أن "أهدافنا واضحة: أوّلًا، نحن ندمّر قدرات إيران الصاروخية... ثانيًا، نحن نُفني بحريتَها... ثالثًا، نضمن ألّا يتمكّن الراعي الأوّل للإرهاب في العالم من امتلاك سلاح نووي... وأخيرًا، نضمن ألّا يتمكّن النظام الإيراني من الاستمرار في تسليح وتمويل وتوجيه جيوش إرهابية خارج حدوده".
وأكد ترامب أن الجيش الأميركي "يضرب إيران بقوة"، لكنه توعّد بأن "الموجة الكبرى" من الهجمات قادمة قريبًا. وعندما سُئل عمّا إذا كانت أميركا تقوم بأكثر من مجرّد الهجوم العسكري لمساعدة الشعب الإيراني على استعادة السيطرة على بلاده من النظام، أجاب: "نعم، نحن نفعل ذلك بالفعل، لكن في الوقت الحالي نريد من الجميع البقاء في الداخل، ليس الوضع آمنًا في الخارج". واعتبر أن "أكبر مفاجأة" كانت هجمات إيران على دول عربية. وأوضح أنه "لا نعرف من يقود إيران الآن، هم لا يعرفون من يقودها"، مشيرًا إلى أن الضربات الأولية أطاحت عشرات القادة المحتملين.
وعقد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث إحاطة صحافية مع قائد الأركان المشتركة دان كين حول الحملة في إيران. ووصف هيغسيث الحملة بأنها "أكثر عملية جوية دقة في التاريخ". وانتقد "النظام التوسعي والإسلامي" في طهران، مؤكدًا أن "حربهم على الأميركيين تحوّلت إلى انتقامنا من آية الله الخاص بهم وجماعته القائمة على عقيدة تمجيد الموت". ورأى أن إيران "كانت تبني صواريخ وطائرات مسيّرة قوية لخلق درع تقليدي لطموحاتها في الابتزاز النووي". وحسم أن بلاده لا تشارك في جهد لـ "بناء الأمة" في إيران على غرار حروب سابقة، جازمًا بأن الضربات المستمرّة لن تكون تمهيدًا لصراع طويل الأمد. وأوضح أن الضربات صُمّمت لإضعاف البحرية الإيرانية وإنهاء طموحات طهران النووية والصاروخية، مؤكدًا أن "هذه ليست ما يُسمّى حرب "تغيير نظام"، لكن النظام تغيّر بالفعل، والعالم أفضل حالًا بسبب ذلك". ودعا الإيرانيين إلى "اغتنام" فرصة تغيير النظام.
من جانبه، أوضح كين أن العملية لا تزال في مراحلها المبكرة، وأن مزيدًا من القوات الأميركية يواصل التدفق إلى المنطقة، معتبرًا أنه عند وصول المقاتلات الإضافية خلال الأيام المقبلة، ستكون بلاده "تقريبًا في الموقع الذي نريده من حيث إجمالي القدرة القتالية وإجمالي القوة القتالية". وتوقع كين وقوع مزيد من الخسائر في صفوف القوات الأميركية، فيما قتل 6 جنود أميركيين منذ بدء الحرب. وأكد أن المهمّة تكمن بمنع إيران من امتلاك القدرة على استعراض قوتها خارج حدودها، والاستعداد لاتخاذ إجراءات لاحقة حسب الاقتضاء، عبر كل المجالات: البر، والجو، والبحر، والفضاء الإلكتروني.
وكشف الجيش الأميركي أنه ضرب أكثر من 1250 هدفًا خلال أوّل 48 ساعة من العملية ضدّ إيران. وأفادت القيادة المركزية الأميركية بأن قاذفات "بي 1" نفذت أمس ضربات في عمق إيران لإضعاف قدرات الصواريخ الباليستية الإيرانية. وذكرت أن آلة الدعاية الكاذبة التابعة للنظام الإيراني تواصل الادعاء زورًا بأنها أغرقت حاملة طائرات أميركية، بينما الحاملة الوحيدة التي استُهدفت هي "الشهيد باقري"، وهي حاملة طائرات مسيّرة إيرانية، مشيرة إلى أنه قبل يومين، كان لدى النظام الإيراني 11 سفينة في خليج عُمان، واليوم ليس لديه أيّ منها، فيما تحدّثت وسائل إعلام إيرانية عن هجوم على ميناء في جنوب البلاد أشعل النيران في نحو 100 قارب صيد.
توازيًا، كشف الجيش الإسرائيلي أنه أسقط أكثر من 2500 قطعة ذخيرة على حوالى 600 بنية تحتية تابعة للنظام الإيراني، من ضمنها أكثر من 20 هدفًا للقيادة الأمنية، وأكثر من 150 صاروخًا باليستيًا، وأكثر من 200 نظام دفاع جوي. وأكد أنه استدعى حوالى 110 ألف جندي احتياط منذ بدء الحملة، مشيرًا إلى أنه تمت تصفية أعضاء بارزين في وزارة الاستخبارات الإيرانية التي استهدف مقرّها في طهران. وأفاد بأن سلاح الجو نفذ أكثر من 1000 طلعة جوية قتالية داخل إيران، في حين تقدّر إسرائيل أن أكثر من 1000 من عناصر "الحرس الثوري" قد قُتلوا في الضربات الإسرائيلية - الأميركية داخل إيران، حسب صحيفة "يديعوت أحرونوت". وبعد يوم من الضربة الإيرانية الدامية في مدينة بيت شيمش الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل تسعة أشخاص، زار نتنياهو موقع الحادث وأكد أن اليوم الذي سيتمكّن فيه الشعب الإيراني من إسقاط نظام آيات الله يقترب، مشيرًا إلى أنه "نحن نُقرّبه".
وفي إطار الهجمات الإيرانية الهمجية والحاقدة على دول الخليج، اعترضت الدفاع السعودية خمس مسيّرات قرب قاعدة الأمير سلطان الجوية، كما اعترضت مسيّرتين حاولتا استهداف مصفاة رأس تنورة لتكرير البترول، مؤكدة نجاح عملية التصدّي للهجوم، لكن المصفاة تعرّضت لأضرار محدودة بسبب سقوط شظايا وأوقف بعض الوحدات التشغيلية في المصفاة بصورة احترازية. وأفادت وكالة "فرانس برس" بأن الجيش السعودي رفع مستوى جهوزيته، في وقت حذر فيه مصدر مقرّب من الحكومة السعودية من أن المملكة قد تردّ عسكريًا في حال شنت إيران هجومًا "مُنسقًا" على بنيتها التحتية النفطية.
وتعاملت الدفاع الإماراتية أمس بنجاح مع تسعة صواريخ باليستية وستة صواريخ جوالة و148 طائرة مسيّرة. وأكد مكتب أبوظبي الإعلامي أن سلطات الإمارة تعاملت مع حريق اندلع بعد استهداف محطة خزانات وقود في مدينة مصفح بطائرة مسيّرة، فيما أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني البدء في تشغيل رحلات استثنائية في مطارات الإمارات. كذلك، تصدّت الدفاع القطرية أمس بنجاح لسبعة صواريخ باليستية وخمس مسيّرات، بينما أوقفت قطر إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات ذات الصلة بسبب هجوم عسكري إيراني على مرافقها التشغيلية في مدينتي رأس لفان الصناعية ومسيعيد الصناعية. وحسمت الدوحة أن الضربات الإيرانية "لا يمكن أن تمرّ من دون ردّ"، وأن "ثمنًا يجب أن يُدفع"، مؤكدة أنها ليست على تواصل مع طهران حاليًا.
وتعرّضت السفارة الأميركية في الكويت لإصابات من جرّاء ضربات يومي الأحد والإثنين، وفق شبكة "سي أن أن"، في وقت تبنت فيه فصائل عراقية مسلّحة هجمات على قواعد أميركية في الكويت. وكشفت القيادة المركزية الأميركية أن ثلاث طائرات أميركية من طراز "أف 15" جرى إسقاطها أثناء تحليقها فوق الكويت عن طريق الخطأ بواسطة الدفاعات الجوية الكويتية، مؤكدة إنقاذ أفراد الطواقم الستة جميعًا وهم في حال مستقرّة. وأعلنت الكويت مقتل جنديين في البحرية، في حين تحدّثت سلطنة عُمان عن مقتل شخص عقب تعرّض ناقلة نفط لهجوم بواسطة زورق مسيّر قبالة سواحل مسقط.
وتباهى "الحرس الثوري" باحتراق ناقلة الوقود "أثي نوفا" في مضيق هرمز بعد استهدافها بطائرتين مسيّرتين لأنها تعمل "بالتنسيق مع أميركا". وأفادت السلطات البحرية البريطانية بأن ناقلة منتجات نفطية ترفع العلم الأميركي تعرّضت لإصابتين بمقذوفين أثناء رسوّها في ميناء البحرين، ما أجبر الطاقم على الإخلاء. وكشف العراق أن أكثر من 70 صاروخًا وطائرة مسيّرة أصابت مدينة أربيل، مع وقوع هجمات إضافية في جنوب البلاد وغربها. واستهدفت ضربات جديدة قاعدة "جرف النصر" التابعة لـ "الحشد الشعبي" في جنوب العراق، والتي تضمّ بشكل أساسي "كتائب حزب الله".
تزامنًا، تحدّث بوتين هاتفيًا مع قادة السعودية والإمارات وقطر والبحرين، محذرًا من خطر تصاعد الهجمات على إيران إلى صراع إقليمي، كما عرض استغلال علاقات موسكو مع طهران للمساعدة في استعادة الهدوء بالمنطقة. وأمل وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال اتصال هاتفي مع نظيره العُماني بدر البوسعيدي أن تعزز دول الخليج وحدتها وتنمّي علاقات حسن الجوار لكي "تتحكّم بمستقبلها ومصيرها". وأبلغ وانغ نظيره الإيراني عباس عراقجي خلال اتصال هاتفي آخر بأنه يعتقد أن طهران قادرة على الحفاظ على الاستقرار الوطني والاجتماعي، فضلًا عن إيلاء أهمية للمخاوف المشروعة لجيرانها.
في الأثناء، تعرّضت قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في أكروتيري بقبرص لهجوم ليل الأحد - الإثنين، حيث أصابت طائرة مسيّرة إيرانية المدرج. وبعد ساعات، تمّ اعتراض طائرتين مسيّرتين أخريَين كانتا في طريقهما إلى القاعدة نفسها، في حين أرسلت الدفاع اليونانية فرقاطتين وطائرتين مقاتلتين من طراز "أف 16" إلى قبرص، كما يتوجّه وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس إلى قبرص اليوم.
إلى ذلك، أكد مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رفاييل غروسي خلال جلسة خاصة لمجلس محافظي الوكالة أنه "لا توجد لدينا حتى الآن أي مؤشرات على تعرّض أي من المنشآت النووية، بما في ذلك محطة بوشهر للطاقة النووية، أو مفاعل طهران البحثي، أو غيرها من منشآت دورة الوقود النووي، لأضرار أو إصابات"، حاسمًا أن الجهود للاتصال بالهيئات الرقابية النووية الإيرانية عبر مركز الحوادث والطوارئ تتواصل، من دون تلقي أي ردّ حتى الآن. وأمل أن يُعاد تفعيل قناة الاتصال الأساسية هذه في أقرب وقت ممكن، بينما أفاد سفير إيران لدى الوكالة بتعرّض منشأة نطنز النووية لهجوم.