الحرب الأميركية - الإيرانية لا تُختصر بساحات القصف، إذ تظهر نتائجها على مؤشرات الأسواق وحركة التجارة وتكاد تطول بتردّداتها كل العالم، إلّا أنها تسجل غياب أي دور جدّي للشريك الأوروبي، في لحظة كاشفة أكثر مِمّا هي حدث عابر. لحظة تضع "القارة العجوز" أمام سؤال جوهري: أليست مصالحها هي التي تتعرّض للتهديد والتعدّي؟ أليست هي في مرمى الباليستي؟ وأليست خلايا "الحرس الثوري" ناشطة على أراضيها؟
من الواضح أن الأوروبيين لم يحسنوا التعامل مع ترامب، وبدوره الرئيس الأميركي لا يملك ترف إضاعة الوقت لإرضاء نكد الأوروبّيين ولن يلتفت إلى الوراء لينتظرهم، بل إن إدارته لم تُدرج العواصم الأوروبّية في صلب التفاوض مع إيران ولا في صلب التخطيط لمواجهتها. هذا الاستبعاد لا يعكس فقط أسلوبًا تفاوضيًا حادًا، بل يعكس تحوّلًا أعمق في نظرة واشنطن إلى تحالفاتها التقليدية. وبالتالي أوروبا، التي بنت أمنها منذ الحرب العالمية الثانية على المظلّة الأميركية، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف: قرارات كبرى تُتخذ من دونها، وتوازنات كبرى يعاد ترسيمها من دون مشاركتها، علمًا أن الأوروبّيين لعبوا دورًا أساسيًا في التفاوض مع إيران وكانوا شركاء أوباما في الاتفاق النووي عام 2015.
المواقف الأوروبية المتباينة تعبّر عن هذا الارتباك. ففي وقت أعلن فيه الأمين العام لحلف "الناتو" تأييده الكامل لحملة ترامب العسكرية، بدا المستشار الألماني وكأنه يسلّم ضمنيًا بعجز أوروبي عن فرض بدائل عملية، فيما اختار رئيس الوزراء الإسباني لغة أكثر صراحة في رفض الضربات. أما الرئيس الفرنسي، فبدل إسناد حليفه بادر إلى المناورة عبر تركيزه على أولوية أخرى هي أوكرانيا، في حين أوعز إلى وزير خارجيته الاتصال بنظيره الصيني واتفقا على العمل على خفض التصعيد، الأمر الذي يصب الآن في مصلحة الغريم، أي الصين، وليس في مصلحة الحليف، أي أميركا.
التباعد في الرؤية لم يقتصر على العواصم القارية، بل طال العلاقة الخاصة بين واشنطن ولندن. وفي خضم الحرب، رفضت بريطانيا المشاركة بأي دور عسكري، فيما فاجأ ماكرون العالم بإعلانه توسيع الانخراط الأوروبي في المظلّة النووية الفرنسية، في خطوة لا يمكن فصلها عن تراجع الثقة الأوروبّية - الأميركية ومحاولة "ماكرونية" لاستنهاض ردع أوروبي في ظلّ مخاوف أوروبّية من عدم استدامة الضمانات الأميركية. من هنا، يمكن قراءة الموقف الأوروبي بالمتخبّط والذي يفتقر إلى استراتيجية موحّدة لرعاية مصالحه، وسط تحوّلات دولية هائلة.
فإذا كانت أوروبا غير قادرة على التوصل إلى رؤية مشتركة مع شريكها الأكبر، أي أميركا، كما إنها غير قادرة على التوصل إلى تطوير مفهوم مشترك في ما بينها بخصوص السياسة الخارجية أو حتى السياسة الاقتصادية، فكيف ستتمكّن من تطوير مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي" الذي يقوده ماكرون بتهوّر، بحسب الخبراء. وإذا كانت أوروبا عاجزة عن التوصّل إلى رؤية مشتركة في ما بينها لإدارة الصراع مع روسيا، وإذا كانت أوروبا تشاهد مصالح حلفائها العرب تتهدّد من دون أن تتحرّك كما يلزم، فكيف لأوروبا أن تفرض نفسها لاعبًا أساسيًا في السياسة الدولية.
قد يتفق كثيرون أن العلاقة مع ترامب ليست بالعملية السهلة، لكن لا يختلف كثيرون على أن أوروبا لم تصل بعد إلى مرحلة تكون قادرة فيها على فرض وقعها في السياسة الخارجية. فالواقع أكثر صلابة من الطموحات. ومهما ارتفع منسوب الاعتراض، تبقى واشنطن صاحبة القرار.
لا ينفي المراقبون أن هذه الحرب ستقلب الموازين الدولية، فالصين التي خسرت مع مادورو موطئ قدم في أميركا اللاتينية، ها هي تشاهد أكبر حلفائها في الشرق الأوسط يترنح، وروسيا ستخسر علاقاتها مع العرب لأن حليفها، أي المحور الإيراني، يمعن في ضرب مصالحهم وموسكو تتفرّج عاجزة. فأي دور تريده أوروبا في الشرق الأوسط في وقت تدار فيه الحرب بإيقاع أميركي وسقفها يُرسم في البيت الأبيض؟ وإذا كانت أوروبا عاجزة عن التقارب مع إدارة ترامب، فكيف بإمكانها منافسة الصين مثلًا أو حماية أوكرانيا أيضًا؟ وهل تفضّل أن تبقى متفرّجة فيما ترسم أميركا "اليوم التالي" في الشرق الأوسط، ولكن هذه المرّة، مع حلفاء آخرين لها؟